إذا كانت تدفقات الاستثمار الأجنبي تؤكد أن مصر أصبحت وجهة جاذبة لرؤوس الأموال، فإن توزيع هذه الاستثمارات بين القطاعات المختلفة يكشف جانبًا أكثر أهمية، وهو أين يرى المستثمرون فرص النمو والعائد في السوق المصرية؟
وتشير بيانات عامي 2025 و2026 إلى أن خريطة الاستثمار الأجنبي لم تعد تتركز في قطاع واحد، بل تتوزع على مجموعة من الأنشطة الاقتصادية، تتقدمها الطاقة، تليها الصناعة، ثم التكنولوجيا، بينما تواصل العقارات والسياحة الحفاظ على جاذبيتهما، مع صعود ملحوظ لقطاعي الصحة والخدمات المالية.
الطاقة.. الوجهة الأولى لرؤوس الأموال
لا يزال قطاع الطاقة يحتفظ بمكانته باعتباره أكبر مستقبل للاستثمارات الأجنبية في مصر، مدعومًا بفرص النمو في النفط والغاز، إلى جانب التوسع الكبير في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
ففي قطاع النفط والغاز، تخطط شركة إيني الإيطالية لضخ نحو 8 مليارات دولار في مشروعات جديدة، بينما تستعد بي بي البريطانية لاستثمارات تتجاوز 5 مليارات دولار، في وقت وقعت فيه مصر 21 اتفاقية استكشاف جديدة خلال عام 2025، في خطوة ساعدت على وقف تراجع الإنتاج وفتح الباب أمام اكتشافات جديدة.
كما تواصل الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) تنفيذ برامج تقييم تستهدف إضافة 2.2 تريليون قدم مكعبة إلى احتياطيات البحر المتوسط، بما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة.
الطاقة النظيفة.. رهان المستقبل
وبالتوازي مع النفط والغاز، تتجه الأنظار إلى الطاقة الجديدة والمتجددة باعتبارها أحد أكثر القطاعات الواعدة.
وتستهدف الدولة جذب استثمارات تصل إلى 100 مليار دولار في مشروعات الطاقة النظيفة خلال السنوات المقبلة، بينما نجحت بالفعل في استقطاب مشروع لإنتاج الأمونيا الخضراء ضمن مبادرة H2Global الأوروبية باستثمارات تبلغ 470 مليون دولار.
كما تتوسع الاستثمارات في مشروعات طاقة الرياح بخليج السويس وجبل الزيت، إضافة إلى محطات الطاقة الشمسية في الصحراء الغربية، بما يعكس تسارع التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
الصناعة.. التصنيع من أجل التصدير
بعد الطاقة، تأتي الصناعة باعتبارها ثاني أكبر القطاعات جذبًا للاستثمارات الأجنبية.
فالاهتمام الحالي يتركز على الصناعات الموجهة للتصدير، خاصة الأجهزة المنزلية والإلكترونيات، حيث شهدت الأشهر الأخيرة دخول ما بين ست وسبع شركات عالمية كبرى لإنشاء مصانع جديدة داخل مصر.
ويأتي هذا التوسع مدفوعًا بتحسن البنية الصناعية، وارتفاع القدرة التنافسية، وتوافر العمالة، فضلًا عن شبكة الاتفاقيات التجارية التي تمنح المنتجات المصرية منفذًا إلى عشرات الأسواق.
وتؤكد المؤشرات هذا الزخم، بعدما تجاوز عدد المصانع العاملة في مصر 68.8 ألف مصنع لأول مرة، مع تحقيق القطاع الصناعي معدل نمو بلغ 14.7%، وارتفاع صادرات الصناعات الهندسية إلى 5.33 مليار دولار خلال أول عشرة أشهر من عام 2025.
وتبرز عدة صناعات باعتبارها الأكثر جذبًا للمستثمرين، من بينها الغزل والنسيج والملابس الجاهزة، والصناعات الهندسية ومكونات السيارات، والأجهزة المنزلية والإلكترونيات، إلى جانب الصناعات الغذائية والتصنيع الزراعي.
التكنولوجيا.. أسرع القطاعات نموًا
ورغم أن قطاع التكنولوجيا لا يستحوذ على أكبر حجم من الاستثمارات، فإنه يعد الأسرع نموًا داخل الاقتصاد المصري.
فقد سجل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات نموًا بلغ 16% خلال عام 2025، بينما قفزت الصادرات الرقمية بنسبة 124% لتصل إلى 7.4 مليار دولار.
وتستهدف الدولة زيادة صادرات خدمات التعهيد إلى نحو 6 مليارات دولار خلال عام 2026، مع التوسع في أنشطة أكثر تقدمًا مثل تصميم الإلكترونيات وأشباه الموصلات.
كما عززت مصر مكانتها كمركز إقليمي لخدمات التعهيد، بعد تحقيقها مستويات مرتفعة في مؤشرات جودة الخدمات وثقة العملاء، وهو ما دفع المزيد من الشركات العالمية إلى توسيع عملياتها داخل السوق المصرية.
العقارات والسياحة.. عائد مستقر وفرص متجددة
ولا تزال العقارات تحتفظ بجاذبيتها كأحد أكبر القطاعات استقطابًا لرؤوس الأموال الخاصة، بعدما استحوذت على نحو 57% من إجمالي الاستثمارات الخاصة خلال العامين الماضيين.
ويعزز استمرار التوسع العمراني في المدن الجديدة، إلى جانب ارتفاع الطلب المحلي، من جاذبية الاستثمار العقاري، وسط توقعات بزيادة الأسعار خلال عام 2026 نتيجة ارتفاع تكاليف البناء واستمرار الطلب.
أما السياحة، فتواصل تحقيق نتائج قوية، بعدما سجل القطاع نموًا بلغ 13.8% خلال عام 2025، مع استقبال نحو 5.1 مليون سائح في ربع واحد فقط.
وتتوقع التقديرات وصول إيرادات السياحة إلى 18.7 مليار دولار بنهاية عام 2026، وهو ما يدعم فرص الاستثمار في الفنادق والمنتجعات والسياحة العلاجية والثقافية والبيئية.
الصحة.. قطاع جديد على خريطة المستثمرين
بدأ القطاع الصحي يفرض نفسه تدريجيًا على خريطة الاستثمارات الأجنبية، مدفوعًا بالتوسع في منظومة التأمين الصحي الشامل، والحوافز التي تقدمها الدولة للمستثمرين.
وشهدت الفترة الأخيرة دخول استثمارات من الإمارات والسعودية وبريطانيا في مشروعات الرعاية الصحية والخدمات الطبية، وهو ما يشير إلى تحول القطاع إلى أحد مجالات النمو الواعدة خلال السنوات المقبلة.
القطاع المالي.. داعم للنمو والاستثمار
ويمثل القطاع المصرفي والمالي أحد أهم القطاعات المساندة للاستثمار، في ظل قوة البنوك المصرية واتساع قدرتها التمويلية.
وتبلغ القيمة السوقية لقطاع البنوك نحو 1.29 تريليون جنيه، بينما تشير التوقعات إلى نمو الائتمان الموجه للقطاع الخاص بنحو 25% خلال العامين الماليين 2025/2026 و2026/2027، مدعومًا باتجاه أسعار الفائدة إلى الانخفاض، وهو ما يوفر بيئة أكثر ملاءمة للتوسع الاستثماري.