تشير القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة خلال الفترة الأخيرة إلى أن الصناعة باتت تتصدر أولويات الدولة، في ظل توجه يعتمد على توظيف مختلف الأدوات الحكومية لدعم النشاط الإنتاجي، بدءاً من تسريع إجراءات الترخيص، مروراً بتوفير التمويل الميسر، وصولاً إلى إتاحة الأراضي الصناعية، في إطار استراتيجية تستهدف توسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة الصادرات.
وتبرز "الرخصة الذهبية" باعتبارها أحد أهم أدوات هذا التوجه، إذ تمنح المستثمر موافقة موحدة تشمل تراخيص البناء والتشغيل وتخصيص الأراضي خلال 20 يوم عمل فقط.
ووفقاً لبيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، ارتفع عدد الشركات الحاصلة على الرخصة الذهبية إلى نحو 52 شركة حتى مارس 2026، باستثمارات تجاوزت 20 مليار دولار منذ إطلاق المنظومة عام 2023. كما تستهدف الحكومة رفع العدد التراكمي للرخص من 62 رخصة في العام المالي 2026/2027 إلى 122 رخصة بحلول 2029/2030، وفق مستهدفات وثيقة "السردية الوطنية للتنمية الشاملة".
ويعكس منح ثماني رخص ذهبية جديدة في مارس 2026 هذا المسار، حيث بلغت استثماراتها نحو 1.2 مليار دولار و16 مليار جنيه، وشملت مشروعات صناعية متنوعة، من بينها مصنع متكامل لتصنيع السيارات بمدينة السادس من أكتوبر باستثمارات 6.35 مليار جنيه، إلى جانب مشروع لإنتاج وتنقية السيليكون باستثمارات 172 مليون دولار، بما يعكس تركيز الدولة على جذب صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة.
ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من التصنيع في مصر إلى 860710.23 مليون جنيه مصري في الربع الأول من عام 2026 من 831416.51 مليون جنيه مصري في الربع الرابع من عام 2025. بلغ متوسط الناتج المحلي الإجمالي من التصنيع في مصر 216969.51 مليون جنيه مصري من عام 2007 حتى عام 2026، حيث وصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 860710.23 مليون جنيه مصري في الربع الأول من عام 2026 وسجل أدنى مستوى له عند 28396 مليون جنيه مصري في الربع الأول من عام 2007.
ولم يقتصر الدعم على تسهيل الإجراءات، بل امتد إلى توفير التمويل اللازم للتوسع الصناعي. فقد أطلقت وزارة الصناعة والنقل مبادرة تمويلية بقيمة 30 مليار جنيه بفائدة مدعمة تتراوح بين 13 و15% لمدة خمس سنوات، لتمويل شراء الآلات وخطوط الإنتاج في سبعة قطاعات صناعية ذات أولوية، بعد مبادرة سابقة بقيمة 150 مليار جنيه خُصص منها 140 مليار جنيه لتمويل المصانع، وفق بيانات الهيئة العامة للتنمية الصناعية.
وفي موازاة ذلك، تواصل الدولة طرح الأراضي الصناعية بأسعار تفضيلية ونظام حق الانتفاع، بالتزامن مع هدف طموح يتمثل في رفع الصادرات المصرية إلى 145 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، بعدما سجلت نحو 44.4 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025، محققة نمواً سنوياً بلغ 18%.
وتؤكد مؤشرات الاستثمار أن هذا التوجه لم يعد مجرد حزمة حوافز منفصلة، بل أصبح سياسة اقتصادية متكاملة؛ إذ تستحوذ الصناعات التحويلية غير البترولية على 65.6% من إجمالي الاستثمارات الصناعية المستهدفة في خطة 2025/2026 البالغة 252.8 مليار جنيه، فيما يمثل القطاع الخاص 83% من هذه الاستثمارات.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الصناعة أصبحت نقطة الالتقاء الرئيسية لسياسات الدولة الاقتصادية، باعتبارها القاطرة التي تعول عليها الحكومة لزيادة الإنتاج، وتعميق التصنيع المحلي، ودفع النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.