السبت، 04 يوليو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
اقتصاد اقتصاد

الإنتاج بدلًا من الإنفاق.. هل تتبنى مصر نموذجًا اقتصاديًا جديدًا؟

تثير التحولات التي يشهدها الاقتصاد المصري خلال الفترة الأخيرة تساؤلات حول ما إذا كانت الدولة بصدد إعادة صياغة فلسفتها الاقتصادية، بالانتقال تدريجياً من نموذج اعتمد لسنوات على التوسع في الإنفاق والاستثمار العام إلى نموذج يمنح الإنتاج والقطاع الخاص والصادرات دوراً أكبر في قيادة النمو.

وتدعم مؤشرات الاستثمار هذا الاتجاه، إذ أظهرت بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي تراجع مساهمة الاستثمار العام في هيكل الاستثمارات الكلية من 51.2% خلال العام المالي 2023/2024 إلى نحو 43.3% في 2024/2025، مقابل ارتفاع مساهمة الاستثمار الخاص من 38.8% إلى 47.5%، وهو أعلى مستوى يسجله خلال السنوات الخمس الأخيرة، بما يعكس توجهاً لإفساح مساحة أكبر أمام القطاع الخاص لقيادة النشاط الاقتصادي.

وفي الوقت نفسه، استعادت الصناعة دورها كمحرك رئيسي للنمو، بعدما تحول قطاع الصناعات التحويلية غير البترولية من الانكماش إلى أحد أكثر القطاعات ديناميكية. فقد سجل القطاع نمواً بلغ 14.7% خلال العام المالي 2024/2025، مقارنة بانكماش نسبته 5.2% في العام السابق، ليسهم منفرداً بنحو 1.7 نقطة مئوية من إجمالي معدل النمو الاقتصادي البالغ 4.4%، وفق بيانات وزارة التخطيط. كما واصل القطاع أداءه القوي خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، محققاً نمواً بنسبة 14.5%، مدفوعاً بتوسع صناعات السيارات والكيماويات والأدوية والمشروبات والملابس الجاهزة، بما ساهم في رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 5.3%.

نمت الناتج المحلي الإجمالي لمصر بنسبة 2.4% في السنة المالية 2023/2024، وهو تباطؤ ملحوظ مقارنة بالتوسع بنسبة 3.8% المسجل في العام السابق، وفقًا لوزارة التخطيط. وأشارت الوزارة إلى أن التوترات السياسية المستمرة كانت عاملاً رئيسيًا، حيث انخفضت إيرادات قناة السويس بشكل حاد إلى 6.6 مليار دولار من 8.8 مليار دولار في العام السابق، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى هجمات الحوثيين اليمنيين في البحر الأحمر. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت السياسات الانكماشية للحكومة في تباطؤ النمو الاقتصادي.

ويواكب هذا التحسن نمو في أداء قطاع التصدير، إذ ارتفعت قيمة الصادرات المصرية غير البترولية إلى 12 مليار دولار خلال الربع الأخير من عام 2025، مقابل 11.2 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق، محققة نمواً بنسبة 7.1%، فيما تواصل الحكومة تنفيذ استراتيجية تستهدف رفع الصادرات إلى 145 مليار دولار، مع تحسين موقع مصر في مؤشرات التجارة العالمية.

كما يمتد التوجه نحو الإنتاج إلى ملف توطين الصناعة، خاصة في القطاعات الاستراتيجية. ففي قطاع الدواء، أعلن رئيس هيئة الدواء المصرية أن نسبة الاكتفاء الذاتي بلغت 91%، بعد توطين إنتاج 47 مادة فعالة ضمن 12 مجموعة علاجية، وهو ما أتاح تصنيع 133 مستحضراً دوائياً محلياً خلال عام واحد، في خطوة تستهدف تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الأمن الدوائي.

وتؤكد وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، رانيا المشاط، أن الاقتصاد المصري حقق نمواً تجاوز التوقعات الحكومية خلال العام المالي 2024/2025، مدعوماً بأداء قطاعات الصناعة والسياحة والاتصالات والتكنولوجيا، إلى جانب سياسة تستند إلى وضع سقف للاستثمارات العامة وتعزيز مساهمة القطاع الخاص. 

وتوحي هذه المؤشرات بأن الدولة تتجه تدريجياً نحو نموذج اقتصادي يمنح الإنتاج والتصنيع والتصدير دوراً أكبر في تحقيق النمو، بما يقلل الاعتماد على التوسع في الإنفاق العام كمحرك رئيسي للاقتصاد.