الإثنين، 06 يوليو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
البنك المركزي البنك المركزي

الفائدة بين تباطؤ التضخم وارتفاع عوائد الشهادات.. هل يفاجئ البنك المركزي الأسواق؟

بين تباطؤ التضخم واستمرار المخاطر المحلية والخارجية، تترقب السوق قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي في اجتماعها المقرر يوم 9 يوليو، وسط توقعات ترجح الإبقاء على أسعار الفائدة.


وتبلغ أسعار عائد الإيداع 19% وسعر الإقراض 20%، بعد سلسة خفض للفائدة بلغت نحو 8.25% منذ بداية دورة التيسير النقدي في 2025 المنصرم، موزعة بواقع 225 نقطة أساس في أبريل، و100 نقطة في مايو، و200 نقطة في أغسطس، و100 نقطة في أكتوبر، و100 نقطة في ديسمبر، و100 نقطة في فبراير 2026.

وخلال آخر اجتماعين للبنك المركزي في أبريل ومايو الماضين، علق البنك المركزي دورة التيسير النقدي وأبقى على سعر الفائدة دون تغيير متبنيا نهج الترقب والحذر لتطورات الأسواق في ظل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي والمحلي، ونجم عنها تباطؤ المسار الهبوطي لمعدل التضخم.

معدل التضخم في مصر قد تباطأ على نحو طفيف في مايو، مقارنة بالشهر السابق عليه، في إشارة إلى انحسار الضغوط السعرية تدريجيا رغم بقاء مستويات الأسعار مرتفعة، وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.6% في مايو مقارنة 14.9% في أبريل، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وفي التوقيت ذاته، رفع بنكا الأهلي المصري ومصر أكبر بنكيين حكوميين في مصر، العائد على الشهادات الثلاثية ذات العائد الثابت إلى 17.75%، مع طرح شهادات ادخارية جديدة بعائد متغير يصل إلى 19.5%، وأثار القرار تساؤلات حول ما إذا كان البنك المركزي سيتجه إلى تثبيت أسعار الفائدة أم استئناف دورة الخفض خلال اجتماعه المرتقب.


وبدورها قالت سلمى طه حسين، مدير إدارة البحوث بشركة نعيم للوساطة في الأوراق المالية، إن هناك عدة عوامل تدعم استئناف خفض أسعار الفائدة، في مقدمتها استمرار تراجع التضخم خلال الأشهر الأخيرة، بما يعكس انحسار الضغوط السعرية، إلى جانب انخفاض أسعار النفط العالمية بعد انتهاء التوترات العسكرية، وهو ما قد يخفف الضغوط التضخمية مستقبلا. 


كما أشارت إلى استمرار الأداء القوي لتحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي ارتفعت بنحو 33.2% خلال الفترة من يوليو إلى أبريل من العام المالي 2025 2026 لتسجل نحو 39.2 مليار دولار، بما يدعم موارد النقد الأجنبي واستقرار الاقتصاد.

وأضافت أنه رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك مخاطر قد تدفع البنك المركزي إلى تأجيل أي خفض جديد للفائدة، من بينها خروج جزء من استثمارات الأجانب من أدوات الدين الحكومية، واتساع العجز التجاري، وارتفاع الدين الخارجي، إلى جانب الضغوط المرتبطة بقطاع الطاقة وارتفاع استهلاك الغاز خلال فصل الصيف، فضلا عن ترقب الأسواق لقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وتأثيرها على تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة.

ورأت أن هذه العوامل تجعل السيناريو الأقرب هو تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، لمنح الأسواق مزيدا من الوقت لاستيعاب التطورات الأخيرة ومراقبة اتجاهات سعر الصرف وتدفقات الاستثمار الأجنبي وأسعار الطاقة، مؤكدة أن البنك المركزي بات يوازن بين احتواء التضخم والحفاظ على استقرار سوق الصرف وجاذبية الجنيه للمستثمرين في ظل استمرار حالة عدم اليقين عالميا.

وفي السياق ذاته، قال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، إن قرار البنكين رفع العائد على بعض الشهادات الادخارية وطرح أوعية جديدة يعد قرارا مصرفيا يرتبط باحتياجات كل بنك وإدارة السيولة لديه، ولا يمكن اعتباره مؤشرا مباشرا على اتجاه البنك المركزي نحو رفع أسعار الفائدة.

وأضاف أن السياسة النقدية تختلف عن القرارات الخاصة بالبنوك، موضحا أن رفع العائد على الشهادات لا يعني بالضرورة أن البنك المركزي يتجه إلى تشديد السياسة النقدية خلال اجتماعه المقبل.

وتوقع نجلة أن يتجه البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع القادم، مستندا إلى استمرار تراجع معدل التضخم السنوي رغم بعض الضغوط التضخمية القائمة، حيث انخفض معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية، الذي يشمل الريف والحضر إلى 13% خلال مايو الماضي مقابل 13.4% في أبريل.

وأوضح نجلة أن البنك المركزي يتجه حاليا إلى تبني سياسة حذرة وترقب تطورات الأسواق، خاصة بعد القرارات الحكومية التي تم اتخاذها منذ فبراير الماضي، والتي شملت حزمة اجتماعية إلى جانب زيادات في أسعار المحروقات، وهو ما انعكس تدريجيا على معدلات التضخم.

وأشار إلى أنه رغم تراجع معدل التضخم، فإنه لا يزال عند مستويات مرتفعة، لافتا إلى أن البنك المركزي نفسه قام مؤخرا برفع توقعاته لمعدلات التضخم إلى مستويات تتراوح بين 16% و17%، بالتزامن مع خفض توقعات النمو الاقتصادي، وهو ما يعكس استمرار الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة.

ولفت إلى أن مستويات الفائدة الحالية لا تزال تحقق أهداف السياسة النقدية، متوقعا أن يفضل البنك المركزي مراقبة التطورات الاقتصادية محليا وعالميا قبل اتخاذ أي خطوات جديدة.

وأوضح نجلة أن سيناريو رفع الفائدة لا يبدو مطروحا بقوة خلال الاجتماع المقبل ما لم تظهر ضغوط جديدة تستدعي ذلك.
وتعليقا على ذلك، أكد الدكتور عز الدين حسانين، الخبير المصرفي، أن قرار رفع العائد على الشهادات الاستثمارية الثلاثية يمثل خطوة طبيعية وضرورية في ظل الارتفاعات الحالية لمعدلات التضخم، مشيرا إلى أن هذه الخطوة تستهدف حماية المدخرات وتعزيز جاذبية الاستثمار بالجنيه المصري.

وأوضح حسانين أن التضخم الذي يشهده الاقتصاد المصري حاليا يختلف عن التضخم النقدي التقليدي الناتج عن زيادة السيولة، حيث يعد من نوع "التضخم المدفوع بالتكلفة" نتيجة الارتفاعات المتتالية في أسعار الطاقة والمحروقات ومدخلات الإنتاج، وهو ما يتطلب إجراءات حكومية لمعالجة مسبباته الأساسية، إلى جانب أدوات السياسة النقدية.

وفيما يتعلق بقرار البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة، أشار الخبير المصرفي إلى أن المركزي يوازن بين مكافحة التضخم والحفاظ على الاستقرار المالي، موضحا أن أي زيادة في سعر الفائدة بنسبة 1% ترفع أعباء خدمة الدين على الموازنة العامة للدولة بأكثر من 120 مليار جنيه سنويا، الأمر الذي يفسر التوجه نحو الإبقاء على أسعار الفائدة الرسمية دون تغيير خلال المرحلة الحالية.

وأضاف حسانين أن البنك المركزي اعتمد على البنوك الحكومية الكبرى، وفي مقدمتها البنك الأهلي المصري وبنك مصر، كأداة غير مباشرة لدعم السياسة النقدية، من خلال تقديم عوائد ادخارية أعلى للمواطنين، بما يسهم في تعويض جزء من تآكل القوة الشرائية دون تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية مباشرة ناتجة عن رفع أسعار الفائدة الأساسية.

وبذلك تتفق آراء وتوقعات المحللين والخبراء على أن استمرار تراجع التضخم يدعم استئناف خفض الفائدة مستقبلا، إلا أن المخاطر المحلية والخارجية ترجح تثبيت أسعار العائد خلال الاجتماع المرتقب، انتظارا لمزيد من المؤشرات بشأن التضخم وسوق الصرف.