دخلت صناعة السكر في مصر مرحلة جديدة من الضغوط، بعدما أدى الهبوط الحاد في الأسعار إلى توقف عدد من الشركات المحلية عن توريد إنتاجها للسوق خلال الأسبوع الجاري، وسط تحذيرات من تفاقم خسائر المصانع وتأخر سداد مستحقات مزارعي بنجر السكر.
وتراجع سعر طن السكر خلال يوليو 2026 إلى نحو 22 ألف جنيه، مقابل 27 ألف جنيه خلال يونيو الماضي، بانخفاض يقارب 18%، في وقت تؤكد فيه مصادر بالقطاع أن تكلفة الإنتاج المحلي تفوق مستويات البيع الحالية.
المصانع توقف توريد السكر بعد هبوط الأسعار
وقفت شركات محلية عمليات بيع وتوريد السكر إلى السوق، بعدما وصلت الأسعار إلى مستويات تقل عن تكلفة الإنتاج، ما تسبب في تراكم كميات كبيرة من المخزون داخل المصانع.
وبحسب مسؤولين في قطاع السكر، تواجه الشركات صعوبة في تصريف إنتاجها بالأسعار الحالية، خاصة مع ارتفاع تكلفة إنتاج الطن محليًا إلى نحو 26 ألف جنيه على الأقل، مقابل سعر بيع يدور حول 22 ألف جنيه.
وتشير تقديرات القطاع إلى أن الفارق بين تكلفة الإنتاج وسعر السوق يضع المنتجين أمام خسائر تقدر بنحو 4 آلاف جنيه في كل طن يتم بيعه.
السكر المستورد يزيد الضغوط على المنتج المحلي
وقال مصطفى عبد الجواد، رئيس مجلس المحاصيل السكرية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، إن زيادة المعروض من السكر المستورد منخفض التكلفة تعد من أبرز الأسباب وراء الهبوط الحالي في الأسعار.
وأوضح أن تكلفة طن السكر المستورد لا تتجاوز نحو 20 ألف جنيه، وهو مستوى يقل بصورة واضحة عن تكلفة الإنتاج داخل المصانع المصرية، ما يمنح المنتج المستورد ميزة سعرية ويزيد الضغوط على الصناعة المحلية.
وحذر عبد الجواد من تأثير دخول كميات من السكر بطرق غير قانونية على السوق، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالي قد يهدد الشركات المنتجة ويزيد من حجم خسائرها.
تراكم المخزون وتأخر مستحقات مزارعي البنجر
وامتدت تداعيات الأزمة إلى مزارعي بنجر السكر، مع تأخر بعض الشركات في سداد قيمة المحاصيل الموردة إليها نتيجة نقص السيولة وتراجع قدرتها على بيع الإنتاج.
وبحسب عبد الجواد، امتلأت مخازن بعض المصانع بالسكر، ما دفع إلى تخزين كميات إضافية في مساحات خارجية، في ظل صعوبة تصريف المخزون بالسوق.
ويبلغ سعر توريد طن بنجر السكر من المزارعين نحو 2000 جنيه، فيما جرت العادة على صرف المستحقات خلال فترة لا تتجاوز أسبوعين من تاريخ التوريد.
وبلغت قيمة توريدات بنجر السكر إلى الجهات الحكومية نحو 1.4 مليار جنيه، مقابل استلام قرابة 714 ألف طن منذ انطلاق الموسم الحالي في منتصف أبريل وحتى مطلع يوليو، وفقًا لتقديرات منشورة.
استيراد السكر الخام يفتح بابًا جديدًا للمنافسة
من جانبه، قال حسن الفندي، رئيس شعبة السكر باتحاد الصناعات المصرية، إن بعض المستوردين يتجهون إلى شراء السكر الخام من الأسواق الخارجية ثم تكريره داخل مصر، في ظل استمرار القيود المفروضة على استيراد السكر المكرر بغرض الاتجار.
وأشار إلى أن انخفاض الأسعار العالمية منح المستوردين فرصة لطرح المنتج بتكلفة أقل من السكر المحلي، موضحًا أن السعر العالمي يتراوح حاليًا بين 450 و480 دولارًا للطن.
ويرى الفندي أن السعر العادل لطن السكر في السوق المحلية لا ينبغي أن يقل عن 26 ألف جنيه، بما يتناسب مع تكاليف الإنتاج ويحافظ على قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها.
ضعف الطلب ووفرة المعروض يهبطان بالأسعار
وبجانب زيادة المعروض من السكر المستورد، ساهم تراجع الطلب خلال الفترة الماضية في زيادة الضغوط على الأسعار.
وقال تجار إن وفرة الكميات المتاحة في السوق، بالتزامن مع زيادة توريدات محصول بنجر السكر خلال الموسم الحالي، أدت إلى زيادة المعروض مقارنة بمعدلات الطلب.
وقد تضطر بعض الشركات إلى بيع جزء من إنتاجها بأقل من التكلفة للحصول على السيولة اللازمة لسداد الالتزامات البنكية وأجور العاملين ومستحقات الموردين والمزارعين.
حظر استيراد السكر المكرر
وكانت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية قد مدت، في مارس الماضي، العمل بقرار حظر استيراد السكر المكرر بغرض الاتجار، ضمن إجراءات تستهدف تنظيم السوق ودعم الصناعة الوطنية والحفاظ على استقرار الأسعار.
ومع ذلك، يرى مسؤولون في القطاع أن استيراد السكر الخام وإعادة تكريره محليًا يزيد من حدة المنافسة السعرية، خاصة مع انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية.
فجوة بين إنتاج واستهلاك السكر في مصر
يصل إنتاج مصر من السكر إلى نحو 3 ملايين طن سنويًا، بينما يتجاوز حجم الاستهلاك المحلي 3.4 مليون طن، ما يترك فجوة تقدر بنحو 400 ألف طن سنويًا يتم تغطيتها من خلال الاستيراد.
ويضم قطاع صناعة السكر في مصر نحو 16 شركة كبرى، بينها 8 شركات حكومية، وتلعب الشركات المحلية دورًا رئيسيًا في تأمين احتياجات السوق.
وتضع التطورات الحالية صناعة السكر أمام تحدٍ يتمثل في تحقيق التوازن بين توفير السلعة بأسعار مناسبة للمستهلك وحماية المنتج المحلي من الخسائر، مع ضمان استمرار المصانع في الإنتاج وقدرتها على سداد مستحقات المزارعين والعاملين.