الأحد، 19 يوليو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
الصين الصين

الاقتصاد المصري يدخل عصر "المصانع الصينية".. هل تصبح "السخنة" بوابة التصنيع البديلة للعالم؟

على أطراف طريق السخنة الصحراوي، حيث كانت الرمال وحدها تملأ الأفق قبل عقد ونصف، تصطف اليوم مصانع كبرى بلافتات صينية تُنتج كل شيء من الزجاج المستخدم في الألواح الشمسية إلى مكونات السيارات الكهربائية.

يعكس هذا المشهد تحولاً أعمق تشهده خريطة الاستثمار الصناعي العالمي؛ حيث تدفع الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، الشركات الصينية للبحث عن قواعد إنتاج بديلة خارج حدودها، وتبرز مصر كأحد أبرز المرشحين لاستضافة هذا التحول بموقعها الجغرافي الفريد واتفاقياتها التجارية.

شراكة ممتدة.. الصين تتصدر قائمة الشركاء التجاريين لمصر

تُعد الصين أكبر شريك تجاري لمصر منذ 13 عاماً متتالية بحسب سفير الصين بالقاهرة لي وي تشيانغ، الذي أوضح أن أكثر من 2800 شركة صينية تعمل حالياً في قطاعات متنوعة داخل السوق المصرية، تتركز أبرزها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وتضم المنطقة الصناعية الصينية المشتركة نحو 190 شركة باستثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار، وفقاً للمعلومات الرسمية الصادرة عن سفارة جمهورية الصين الشعبية بالقاهرة خلال منتدى الاستثمار المصري الصيني المنعقد في نوفمبر 2025.

وفي السياق ذاته، كشف وزير الاستثمار والتجارة الخارجية حسن الخطيب، عن ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 6% ليصل إلى نحو 17 مليار دولار خلال عام 2024، مقارنة بنحو 16 مليار دولار في العام السابق له.

وأوضح الوزير في تصريحات لصحيفة البورصة في أغسطس 2025، أن الصين تحتل المرتبة العاشرة بين الدول المستثمرة في مصر، في وقت تستهدف فيه الحكومة رفع ترتيبها لتصبح ضمن قائمة أكبر خمسة مستثمرين أجانب بالسوق المحلي.

وتسارعت وتيرة دخول رأس المال الآسيوي بشكل ملحوظ عقب موافقة الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، في النصف الأول من عام 2025، على تأسيس 40 شركة صينية جديدة بإجمالي استثمارات يقترب من مليار دولار، بحسب بيانات الهيئة لجريدة البورصة.

قراءة في الأرقام.. طفرة الاستثمار الأجنبي المباشر وتحولات الهيكل التصديري

وعلى الصعيد الكلي، سجل الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر طفرة بلغت 46.6 مليار دولار خلال عام 2024، مع استهدف جذب ما بين 12 و15 مليار دولار خلال عام 2025، وفق تصريحات حسام هيبة الرئيس التنفيذي لهيئة الاستثمار لقناة العربية.

من جهتها، أظهرت بيانات البنك المركزي المصري الصادرة في أكتوبر 2025 عبر جريدة أموال الغد، أن صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر للداخل سجل نحو 12.2 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025.

ويعكس الفارق بين هذا الرقم ومستوى العام السابق البالغ 46.1 مليار دولار الأثر المالي الاستثنائي وغير المتكرر لصفقة رأس الحكمة، وليس تراجعاً هيكلياً في الجاذبية الاستثمارية، بحسب تحليل البنك المركزي المنشور بالتقرير.

وفي قراءة ممتدة، رصد "المركزي" بالتعاون مع وزارة التخطيط في وثيقة «السردية الوطنية للتنمية الشاملة» الصادرة في يناير 2026، اتجاهاً تصاعدياً لتدفقات الاستثمار من 12.5 مليار دولار عام 2015/2016 إلى 23.7 مليار دولار في 2024/2025.

وعلى المستوى القطاعي، تعتزم 3 شركات صينية ضخ 615 مليون دولار في مشروعات لإنتاج الزجاج والغزل والنسيج بمناطق السادات والعاشر وخليج السويس، بحسب رئيس لجنة تنمية العلاقات مع الصين بجمعية رجال الأعمال أحمد عز الدين لجريدة البورصة.

وفي قلب السخنة، تستضيف المنطقة الصينية «تيدا» 140 شركة باستثمارات تراكمية بلغت 1.6 مليار دولار، ومبيعات ناهزت 3.7 مليار دولار خلال 15 عاماً من عمر المنطقة، وفقاً لبيانات شركة تيدا المنشورة بموقع اليوم السابع.

وتوسعت الشركة بوقيع عقد جديد في يوليو 2025 لتطوير 2.86 كيلومتر مربع إضافية، وهي خطوة وصفها الخبير الاقتصادي أبو بكر الديب لوكالة أنباء شينخوا بأنها تعكس قناعة الجانب الصيني بجدوى الاستثمار بمحور قناة السويس.

وتبلغ المساحة الإجمالية لمنطقة السخنة الصناعية التابعة للهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس (SCZONE) نحو 210 كيلومترات مربعة، وهي مؤهلة لاستيعاب شتى أنشطة التصنيع بطاقة استيعابية تتجاوز 85 ألف فرصة عمل بحسب موقعها الرسمي.

وفي قطاع السيارات، أعلن أنكوش أرورا الرئيس التنفيذي لشركة المنصور للسيارات لموقع مصراوي في مايو 2026، عن اقتراب بدء التجميع المحلي لسيارات BYD الصينية في مصر خلال عام 2026 في خطوة وُصفت بالتاريخية لتوطين الصناعة.

وجاء الإعلان عقب اجتماع عقده رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في سبتمبر 2025 مع نائب رئيس شركة BYD العالمية ستيلا لي، وبحضور وزير الصناعة والنقل كامل الوزير، لبحث تعميق التصنيع ونقل التكنولوجيا للكوادر المصرية وفق بيانات مجلس الوزراء.

وفي مسار موازٍ، تخطط شركة «مان دريم» الوكيل الآخر للعلامة لبدء تجميع طرازات إضافية محلياً، بما يعكس اتساع قاعدة اللاعبين الصينيين في قطاع المركبات، وفق تقارير نشرتها منصتا Auto Express مصر وAutozone في مايو 2026.

أما في قطاع الطاقة النظيفة، فقد أبرمت منطقة قناة السويس الاقتصادية اتفاقاً مع شركة «سينجين» الصينية لإنشاء مصنع لزجاج الألواح الشمسية باستثمار يبلغ 700 مليون دولار، بحسب رئيس الهيئة وليد جمال الدين لمنصة سولارابيك في مارس 2025.

ودعماً لهذا التوجه، افتتح رئيس الوزراء مشروعات جديدة بالسخنة بقيمة 190 مليون دولار، أبرزها مصنع شركة «Elite Solar» لتوطين تصنيع الألواح والخلايا الشمسية محلياً، وفقاً لبيانات مجلس الوزراء المنشورة بموقع ميدل إيست بيزنس في يوليو 2026.

كما تستعد شركة «جيت سولار» الصينية لتدشين منشأة جديدة بأكتوبر الجديدة لإنتاج خلايا الطاقة الشمسية، عقب زيارة وفد فني لخطوط الإنتاج المؤتمتة بالصين تمهيداً لنقلها لمصر، بحسب ما نشرته شركة جيت سولار عبر منصة سولارابيك.

وقد انعكس هذا الحراك مباشرة على الصادرات غير البترولية التي سجلت ذروة غير مسبوقة في 5 سنوات بقيمة 48.567 مليار دولار عام 2025، وبنمو 17%، حيث تصدرت المنتجات المصنعة الهيكل التصديري بحسب مركز معلومات مجلس الوزراء.

وقفزت الصادرات المصرية الكلية للتجمعات الدولية إلى 54.4 مليار دولار عام 2025 بنمو 16.8% مقارنة بالعام السابق، استناداً إلى البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والتي نشرتها صحيفة القدس العربي.

وتصدرت مواد البناء قطاعات النمو التصديري بنهاية 2025 بقيمة 13.7 مليار دولار، تلتها الكيماويات بـ 8.6 مليار دولار، ثم الصناعات الغذائية بـ 6.4 مليار، والهندسية بـ 5.9 مليار، والملابس بـ 3.1 مليار، وفقاً لهيئة الرقابة على الصادرات والواردات.

وتبني وزارة الصناعة خططها الحالية على رفع قيمة الصادرات غير البترولية إلى 99 مليار دولار بحلول عام 2030، عبر تكثيف الاستثمارات في الصناعات المغذية والوسيطة، بحسب تصريحات الوزير خالد هاشم لجريدة الوطن في مايو 2026.

رؤية الخبراء.. موقع استراتيجي في قلب حرب التوريد العالمية

ويرى إبراهيم مصطفى، نائب رئيس منطقة قناة السويس الاقتصادية سابقاً لشبكة CNN بالعربية، أن الميزات التنافسية بمصر "جاذبة جداً" من حيث التكلفة والقرب من أوروبا، مما استقطب أيضاً مصانع تركية اتخذت من مصر قاعدة تصديرية.

فيما خلصت دراسة للخبير الجمركي بدوي إبراهيم نشرتها صحيفة المصري اليوم في فبراير 2025، إلى أن الحرب التجارية العالمية الراهنة المستمرة منذ 2022 تدفع الشركات الصينية لإعادة توزيع سلاسل توريدها بشكل دائم ومستمر.

مقارنة تاريخية.. كيف تطورت منطقة "تيدا" الصناعية عبر العقد الماضي؟

وتؤكد المراجعة التاريخية لمنطقة تيدا تضاعف حجمها؛ حيث بدأت بـ 7.3 كيلومتر مربع قبل أن تتوسع بموجب اتفاق رئاسي عام 2016 وتصل إلى 190 شركة باستثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار، وفق رصد مقارن لبيانات الأهرام واليوم السابع والمنتدى التجاري.

وتتكامل هذه المؤشرات مع تحليل البنك المركزي ووزارة التخطيط عبر «السردية الوطنية»، والذي أظهر نمو الاستثمار المباشر الكلي من 12.5 مليار دولار عام 2015/2016 إلى 23.7 مليار دولار في 2024/2025، محققاً تحسناً نوعياً في طبيعة الشراكات.

أبعاد دولية.. مصر والمغرب في سباق استقطاب التكنولوجيا النظيفة

وتتكامل هذه المؤشرات مع تحليل مركز «نت زيرو بوليسي لاب» بجامعة جونز هوبكينز المنشور عبر منصة الطاقة، والذي أكد قفزة حصة الشرق الأوسط من استثمارات الصين للطاقة النظيفة إلى 20% عام 2024، مع التركيز على هيدروجين مصر وسيارات المغرب.

وفي المغرب (المنافس الإقليمي الأبرز)، يخطط المسؤولون لإنتاج 500 ألف سيارة كهربائية سنوياً بحلول نهاية 2026، وسط مخاوف محللي معهد تشاتام هاوس البريطاني من خلق نقطة توتر تجاري جديدة مع أوروبا، وفق ما نشرته شبكة العربية.

وتعتزم شركتا «هايليانغ» و«شينزوم» الصينيتان ضخ 900 مليون دولار بالمغرب ضمن مساعٍ لبناء قواعد تصنيع للسيارات الكهربائية موزعة بين السعودية ومصر والمغرب وتركيا لقربها من السوق الأوروبية، بحسب تقرير مجلة المجلة في أغسطس 2024.

وجاءت مصر في المرتبة التاسعة عالمياً في جذب الاستثمار المباشر لعام 2024 بـ 47 مليار دولار متقدمة من المرتبة 32، مما يضعها في موقع تنافسي متقدم على تركيا والمغرب في هذا المؤشر، وفق تقرير مقارن نشرته شبكة CNN بالعربية.

وفي المنسوجات، أشادت منصة «بيزنس إنسايدر أفريقيا» عبر موقع ميدل إيست بيزنس بتدفق الاستثمارات لمنطقة غرب القنطرة، والتي استقطبت مصانع من الصين وتركيا وألمانيا واليونان، بجانب أول استثمار هندي بالقطاع بقيمة 20 مليون دولار.

مكاسب مرتقبة.. الفرص الكامنة وراء إعادة تشكيل سلاسل الإمداد

ورغم هذه الفرص، تفتح إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، المدفوعة بالحرب التجارية، نافذة زمنية أمام مصر لاستقطاب مزيد من الاستثمارات الصناعية الصينية الباحثة عن قواعد إنتاج وتصدير بديلة، مستفيدة من شبكة اتفاقيات التجارة الحرة مع أوروبا وأفريقيا.

كما يمثل تدرج الاستثمار الصيني من التجميع البسيط إلى مراحل إنتاج أعمقفرصة لنقل تكنولوجي فعلي وتطوير كوادر هندسية محلية، فضلاً عن استمرار الحكومة في توسيع الأراضي المخصصة للمستثمرين الصينيين استجابة لتزايد الطلب، وفق تقارير ووكالة شينخوا.

زوايا معقدة.. القوانين التشريعية والمخاطر التجارية التي تواجه الصادرات

وتبرز تحديات دولية فرضتها القوانين الأمريكية الصادرة في يوليو 2025 مثل قانون "One Big Beautiful Bill Act" الذي يرفع أعباء الامتثال والتكاليف على المصانع ذات الروابط الصينية، بحسب تقرير لجريدة البورصة في مارس 2026.

وفي المقابل، شددت بكين تدابيرها الحمائية وقوانين تراخيص تصدير المعادن النادرة منذ أكتوبر 2025، مما قد يعوق قدرة الشركات الصينية على نقل مراحل التصنيع الحساسة لأسواق أخرى بالسرعة المطلوبة، وفقاً لتحليل اقتصادي لشبكة الجزيرة نت.

وعلى الصعيد المحلي، طالب النائب طارق عبد العزيز برلمانياً بالكشف عن نتائج دراسة تحديات الصناعة بمصر لمواجهة البيروقراطية ونقص التمويل، بحسب بوابة الحرية والعدالة، دون وجود بيانات رسمية ترصد الحجم الدقيق للمصانع المتعثرة.

استشراف الغد.. ثلاثة سيناريوهات ترسم ملامح التصنيع الصيني في مصر

وتضع هذه المعطيات مستهدفات الاقتصاد أمام ثلاثة سيناريوهات؛ أولها تفاؤلي بنجاح مصر في رفع الصادرات غير البترولية لـ 99 مليار دولار بحلول 2030، ودخول الصين قائمة أكبر 5 مستثمرين، وفقاً لبيانات وزارتي الصناعة والاستثمار.

أما السيناريو الثاني (الأكثر ترجيحاً) فيتوقع نمواً تدريجياً متفاوتاً يركز على الطفرة الراهنة في السيارات والطاقة الشمسية، مع بقاء الاستثمارات الفعلية دون الطموحات الكلية، تماشياً مع تصريحات وزير الاستثمار لجريدة البورصة.

وينحصر السيناريو الثالث في حدوث تباطؤ نسبي للتدفقات الصينية المتجهة لأمريكا بفعل التشريعات الحمائية، مع بقاء جاذبية مصر قائمة كقاعدة تصنيع رئيسية موجهة لأسواق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، بحسب تحليل جريدة البورصة.