رغم ما تمتلكه مصر من مقومات قوية لجذب الاستثمارات الأجنبية، لا تزال هناك تحديات تتطلب حلولًا سريعة لتعزيز ثقة المستثمرين وزيادة تدفقات رؤوس الأموال. وفي الوقت الذي يؤكد فيه خبراء الاقتصاد استمرار نمو الاستثمار الأجنبي وفقًا للمؤشرات الرسمية، يشددون على أن استقرار سعر الصرف، وتسريع برنامج الطروحات الحكومية، وتعزيز الشفافية داخل سوق المال، تمثل عوامل حاسمة لتحويل الفرص المتاحة إلى استثمارات مباشرة تدعم النمو الاقتصادي وتوسع دور القطاع الخاص.
أكد الخبير الاقتصادي سمير رؤوف أن مصر تمتلك فرصًا كبيرة لجذب الاستثمارات الأجنبية، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب معالجة عدد من التحديات الهيكلية التي لا تزال تؤثر على مناخ الاستثمار، وفي مقدمتها استقرار سعر الصرف، وتعزيز الثقة في سوق المال، وتسريع برنامج الطروحات الحكومية.
وأوضح رؤوف أن المستثمر الأجنبي يضع في مقدمة أولوياته استقرار السياسات الاقتصادية، لافتًا إلى أن التغيرات التي شهدها سعر الصرف خلال الفترات الماضية كانت من أبرز العوامل التي أثرت على تدفقات الاستثمار الأجنبي، حيث يجد المستثمر صعوبة في احتساب تكلفة الاستثمار والعائد المتوقع في ظل تقلبات سعر العملة.
وأشار إلى أن التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، دفعت جزءًا من رؤوس الأموال العالمية إلى التحرك بين الأسواق، موضحًا أن الأموال الساخنة خرجت من السوق المصرية في مرحلة معينة، لكنها بدأت تعود تدريجيًا مع تحسن الأوضاع الاقتصادية واستقرار الأسواق.
وشدد على أن الأموال الساخنة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عنصرًا سلبيًا بشكل مطلق، موضحًا أنها تؤدي دورًا اقتصاديًا مهمًا في تمويل عجز الحساب الجاري، إلا أنها تختلف بطبيعتها عن الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي يمثل القيمة الحقيقية للاقتصاد من خلال إنشاء المصانع والمشروعات الإنتاجية وتوفير فرص العمل وزيادة الطاقة الإنتاجية.
وأضاف أن التحدي الحقيقي يتمثل في زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تعتمد على إقامة مشروعات جديدة داخل السوق المصرية، وليس مجرد الاستثمار في أدوات الدين أو أذون وسندات الخزانة، وهو ما يتطلب معالجة عدد من العقبات المرتبطة بالإجراءات التنظيمية ومناخ الاستثمار بشكل عام.
وفيما يتعلق بالسياسات الحكومية، أشاد رؤوف بالإجراءات الأخيرة التي اتخذتها وزارة المالية لتحفيز الاستثمار، مؤكدًا أنها تمثل تحولًا إيجابيًا في التعامل مع مجتمع الأعمال.
وقال إن الحكومة استجابت بالفعل لمطالب عديدة تتعلق بتخفيف الأعباء الضريبية، مشيرًا إلى قرار تخفيض الضريبة على الشركات المقيدة بالبورصة بنسبة تصل إلى 15%، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على زيادة أرباح الشركات وتعزيز قدرتها على التوسع وجذب استثمارات جديدة.
وأوضح أن هذه الخطوة تمنح الشركات المقيدة حافزًا قويًا للاستمرار في السوق، كما تشجع شركات أخرى على القيد في البورصة للاستفادة من المزايا الضريبية الجديدة، بما يدعم زيادة عمق سوق المال ويرفع من جاذبيته للمستثمرين المحليين والأجانب.
وفي المقابل، أبدى رؤوف تحفظه على بعض الممارسات داخل سوق المال، معتبرًا أنها تؤثر سلبًا على ثقة المستثمرين، مشيرًا إلى أن شطب بعض الشركات أو وقف التداول على أخرى دون وضوح كامل للأسباب يخلق حالة من القلق لدى المستثمرين، خاصة المستثمر الأجنبي الذي يعتبر البورصة أحد أهم المؤشرات التي يقيس من خلالها كفاءة الاقتصاد وقدرته على جذب رؤوس الأموال.
وأضاف أن المستثمر الأجنبي لا ينظر فقط إلى المؤشرات التي تحقق مستويات قياسية أو إلى ارتفاع أسعار الأسهم، وإنما يهتم أيضًا بمدى استقرار القواعد المنظمة للسوق ووضوح الإجراءات الرقابية، لأن أي قرارات مفاجئة قد تؤثر على تقييماته الاستثمارية وخططه المستقبلية.
وأشار إلى أن استقرار سعر الصرف يمثل عنصرًا حاسمًا بالنسبة للمستثمر، لأنه يحتاج إلى معرفة قيمة استثماراته عند الدخول إلى السوق، وكذلك قيمة الأرباح عند التخارج، موضحًا أن أي تغيرات كبيرة في سعر العملة قد تؤثر بصورة مباشرة على العائد الحقيقي للاستثمار، حتى وإن كانت المشروعات تحقق أرباحًا تشغيلية جيدة.
وأكد أن تحسين بيئة الاستثمار يتطلب تكامل الجهود بين الحكومة والبنك المركزي والجهات المنظمة لسوق المال، بحيث يتم توفير بيئة مستقرة تسمح للمستثمر بالتخطيط طويل الأجل دون مخاوف من تغيرات مفاجئة في السياسات أو الإجراءات.
وفيما يخص برنامج الطروحات الحكومية، أشاد رؤوف بالجهود التي تبذلها الدولة بقيادة رئيس مجلس الوزراء في منح الرخص الذهبية وتيسير إجراءات الاستثمار، إلى جانب التوسع في تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، مؤكدًا أن هذه الخطوات تعكس رغبة واضحة في زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية الإسراع في تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، معتبرًا أن تأخير بعض الصفقات يبعث برسائل سلبية للمستثمرين. وأوضح أن حسم ملفات الشركات الكبرى والأصول المستهدفة بالطرح يمثل عنصرًا أساسيًا لاستعادة الثقة، وزيادة تدفقات الاستثمار، وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو الاقتصادي.
واكد على أن مصر تمتلك مقومات قوية لجذب الاستثمارات الأجنبية، سواء من حيث حجم السوق أو البنية التحتية أو الإصلاحات الاقتصادية التي تم تنفيذها خلال السنوات الأخيرة، إلا أن تعظيم الاستفادة من هذه المقومات يتطلب استمرار الإصلاحات، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار والشفافية، وتسريع اتخاذ القرارات الاستثمارية، بما يعزز ثقة المستثمرين ويحول الفرص المتاحة إلى استثمارات حقيقية تدعم النمو الاقتصادي المستد