دعلى مدار عقود، ارتبط اسم الغردقة في الذهن العام بالشواطئ الذهبية والمنتجعات السياحية الفارهة، وظلّت صورتها الاقتصادية حبيسة قطاع واحد هو السياحة، لكن المشهد بدأ يتغيّر بهدوء وثبات؛ إذ تتحول المدينة تدريجيًا إلى قطب صناعي ناشئ، عبر مجمعها الصناعي الذي يمتد على مساحة نحو 40 فدانًا، ويضم أكثر من 200 وحدة إنتاجية جاهزة بالمرافق والتراخيص، في واحدة من أهم تجارب "تعدد مصادر الدخل" التي تنتهجها محافظة البحر الأحمر.
مجمع صناعي وُلد ليخدم السياحة.. واتسعت رؤيته
أُنشئ المجمع الصناعي بالغردقة أساسًا لاستيعاب الصناعات الصغيرة والمتوسطة غير الملوثة للبيئة، بما يتناسب مع الطبيعة السياحية الحساسة للمدينة، ومنحت الهيئة العامة للتنمية الصناعية تسهيلات واسعة للمستثمرين الراغبين في تخصيص وحدات إنتاجية هناك. ومنذ بدء تشغيله، استقطب المجمع مصانع متنوعة: من إنتاج المواد الغذائية ومصنوعات اللحوم، إلى المنتجات الورقية وملابس الغطس والتشكيلات الديكورية وأنظمة المراقبة، لتتكامل هذه الصناعات مع احتياجات القطاع السياحي المحيط بها بشكل مباشر.
وفي خطوة تعكس جدية التوسع، أعلن محافظ البحر الأحمر مؤخرًا عن تنسيق كامل مع وزارة الصناعة لتوسعة المجمع واستقطاب مشروعات جديدة، مؤكدًا أن الملف الصناعي والدعم اللوجستي للمستثمرين الجادين على رأس أولويات المحافظة، مع توجيه الأجهزة التنفيذية لتذليل العقبات البيروقراطية أمام المشروعات الشابة. جاء ذلك تزامنًا مع افتتاح مصنع جديد متخصص في صناعة الكابلات الكهربائية، في إشارة إلى تنويع القاعدة الصناعية للمدينة بعيدًا عن الصناعات التقليدية وحدها.
لماذا الغردقة بالذات؟
تتمتع المدينة بمجموعة من المزايا التنافسية التي تجعلها موقعًا جاذبًا للاستثمار الصناعي:
الموقع الجغرافى الاسيترانيجى للمدينة : إطلالة مباشرة على البحر الأحمر، وقرب نسبي من الموانئ وخطوط الملاحة الدولية، ما يسهّل التصدير والاستيراد.
سوق استهلاكي ضخم وقائم : ملايين السائحين والمقيمين سنويًا يمثلون سوقًا استهلاكية مباشرة للمنتجات الغذائية والاستهلاكية، دون الحاجة لتكاليف نقل طويلة من الوادي أو الدلتا.
تسهيلات حكومية: : تراخيص جاهزة، ومرافق مكتملة، ودعم من الهيئة العامة للتنمية الصناعية ومحافظة البحر الأحمر.
الحلقة المفقودة: من "مدينة تستهلك" إلى "مدينة تُنتج".
هنا تكمن نقطة التحول الأهم: فالبحر الأحمر، بحكم طبيعته السياحية، ظل تاريخيًا محافظة "مستوردة" لمعظم احتياجاتها الغذائية من محافظات أخرى، ما يرفع التكلفة ويزيد الضغط على سلاسل الإمداد. توسّع المنطقة الصناعية في قطاع الصناعات الغذائية تحديدًا يمثل فرصة لعكس هذه المعادلة جزئيًا، عبر:
1- تصنيع محلي لمنتجات غذائية تُستهلك يوميًا في الفنادق والمطاعم والأسواق المحلية، بما يقلل الاعتماد على النقل الطويل من الوادي والدلتا، ويخفض الفاقد والهدر أثناء النقل والتخزين.
2- إعادة توظيف الهدر الغذائي، وهو ملف بات يشغل مختصي إدارة المخلفات في المحافظة؛ إذ تُنتج القرى السياحية كميات كبيرة من مخلفات الطعام يمكن تحويلها إلى أسمدة عضوية أو مصادر طاقة حيوية بدلًا من التخلص التقليدي منها، بما يخلق قيمة اقتصادية مضافة ويقلل الأعباء البيئية في آن واحد.
3-دعم منظومة سلامة الغذاء، مع تكثيف الرقابة الحالية من الهيئة القومية لسلامة الغذاء على المنشآت الغذائية في المحافظة، بما يجعل التصنيع المحلي المنظم بديلاً أكثر أمانًا وقابلية للتتبع من بعض قنوات التوريد غير الرسمية.
بهذا المعنى، لم تعد المنطقة الصناعية بالغردقة مجرد رافعة لتشغيل الشباب وجذب رؤوس الأموال، بل جزءًا من منظومة الأمن الغذائي الإقليمي؛ فكل مصنع للتعبئة أو التصنيع الغذائي يُقام هناك يقلّص فجوة إمداد محتملة، ويقصّر سلسلة التوريد، ويحوّل استهلاك ملايين السائحين سنويًا إلى محرك للإنتاج المحلي بدلًا من أن يظل عبئًا لوجستيًا يُدار من خارج المحافظة.
فرص استثمارية مطروحة أمام رواد الأعمال
يفتح هذا التوجه الباب أمام عدة مسارات استثمارية واعدة في المدينة، أبرزها:
مصانع تعبئة وتغليف للمنتجات الغذائية والمياه والعصائر لخدمة السوق المحلي والسياحي.
خطوط تصنيع لمنتجات الألبان واللحوم المجهزة والمخبوزات، بالقرب المباشر من نقطة الاستهلاك.
مصانع لإعادة تدوير المخلفات الغذائية إلى أسمدة عضوية أو أعلاف، بالشراكة مع الفنادق والقرى السياحية.
صناعات تكميلية للقطاع السياحي (تعبئة وتغليف، مستلزمات فندقية، صناعات بحرية خفيفة) تستفيد من نفس البنية التحتية
وهنا يمكننا القول بأن:
تجربة المنطقة الصناعية بالغردقة تقدّم نموذجًا يستحق المتابعة: محافظة سياحية بامتياز تراهن على التصنيع المحلي كرافد اقتصادي موازٍ، وتربط بوعي بين جذب الاستثمار وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي الغذائي على المستوى الإقليمي. ومع استمرار خطط التوسعة المعلنة من محافظ البحر الأحمر وتنسيقه مع وزارة الصناعة، يبدو أن الغردقة تسير بخطى واثقة نحو معادلة جديدة: مدينة تستقبل السائحين بيد، وتصنع احتياجاتهم بيدها الأخرى.
بقلم دكتور/ سيف الحداد اخصائى رقابة الجودة واللوجيستيات
مدرس الملاحة البحرية بالاكاديمية الدولية للعلوم البحرية.