لم تعد التنمية الاقتصادية تُقاس فقط بحجم الاستثمارات في الطرق والموانئ والمصانع، بل أصبحت ترتبط أيضًا بقدرة الدولة على تحسين جودة حياة المواطنين، وتوسيع فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية. ومن هذا المنطلق، تبنت مصر خلال السنوات الأخيرة مسارًا يربط بين الاستثمار في البنية التحتية والاستثمار في الإنسان، عبر مبادرات تستهدف تطوير الريف وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية.
وتتصدر هذه الجهود مبادرتا «حياة كريمة» و**«تكافل وكرامة»**، اللتان تمثلان أحد أهم محاور استراتيجية الدولة لتحسين مستوى المعيشة في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا.
«حياة كريمة».. أكبر مشروع لتنمية الريف
تُعد مبادرة «حياة كريمة» أكبر مشروع لتطوير الريف المصري، إذ استهدفت مرحلتها الأولى ما بين 18 و20 مليون مواطن في نحو 1500 قرية موزعة على 20 محافظة، باستثمارات تجاوزت 350 مليار جنيه.
وخلال سنوات التنفيذ، توسعت المبادرة لتشمل خدمات استفاد منها أكثر من 46 مليون مواطن في القرى والنجوع والمناطق الأكثر احتياجًا، بمشاركة شبكة تضم نحو 50 ألف متطوع، في إطار رؤية تجمع بين تطوير البنية الأساسية والارتقاء بالخدمات الاجتماعية.
التعليم والخدمات الأساسية في قلب التنمية
ولم تقتصر المبادرة على تنفيذ مشروعات المرافق، بل شملت تطوير الخدمات التعليمية والاجتماعية داخل القرى.
فحتى أبريل 2026، جرى الانتهاء من تطوير 722 قرية، إلى جانب إنشاء وتطوير 15,262 فصلًا دراسيًا، استحوذت محافظات الصعيد على أكثر من نصفها، فضلًا عن صيانة وتطوير 1,299 مدرسة.
كما انعكس ذلك على تحسن مؤشرات إتاحة الخدمات الأساسية داخل القرى، بما يعكس انتقال المبادرة من مجرد تنفيذ مشروعات إنشائية إلى تحسين جودة الحياة والخدمات العامة.
مرحلة جديدة تستهدف 22 مليون مواطن
وتستعد الحكومة لإطلاق المرحلة الثانية من المبادرة، التي تشمل 1,667 قرية في 52 مركزًا داخل 20 محافظة، ليستفيد منها نحو 22 مليون مواطن.
وتتضمن الخطة تخصيص 45 مليار جنيه لمشروعات مياه الشرب والصرف الصحي خلال العام المالي 2026/2027، بهدف الوصول بتغطية هذه الخدمات إلى 100% في الريف.
وتستحوذ محافظات الصعيد على 68% من استثمارات المرحلة الجديدة، فيما يوجه أكثر من 77% من الإنفاق إلى القطاعات المرتبطة ببناء الإنسان، مثل التعليم، والصحة، والخدمات الاجتماعية.
كما أعلنت الحكومة الانتهاء من تنفيذ الأعمال في 850 قرية حتى منتصف يوليو 2026، مع استمرار تسليم المشروعات تمهيدًا لاستكمال المرحلة الثانية.
«تكافل وكرامة».. الحماية الاجتماعية بالتوازي مع التنمية
وبالتوازي مع تطوير البنية الأساسية، تواصل الدولة تنفيذ برنامج «تكافل وكرامة» باعتباره الذراع الاجتماعية الداعمة للأسر الأولى بالرعاية.
ويستهدف البرنامج توجيه الدعم إلى المناطق الأعلى في معدلات الفقر، عبر توفير مساعدات نقدية مشروطة، إلى جانب برامج للرعاية الصحية، وصرف الأجهزة التعويضية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يساعد على تحسين مستويات المعيشة وتعزيز فرص العمل.
كما رُصدت استثمارات بقيمة 103 مليارات جنيه لتطوير القرى الأكثر احتياجًا، وفق خريطة الفقر، بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، في إطار رؤية تربط بين الدعم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
الاستثمار في الإنسان
تعكس هذه المبادرات تحولًا في مفهوم التنمية، بحيث لا تقتصر على إنشاء الطرق والمباني، بل تمتد إلى تحسين الخدمات العامة، ورفع جودة التعليم والرعاية الصحية، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، بما يسهم في بناء رأس مال بشري أكثر قدرة على المشاركة في النشاط الاقتصادي.
ويبقى نجاح هذه الرؤية مرتبطًا باستكمال مراحل المبادرة، وضمان استدامة الخدمات، وتعظيم الأثر الاقتصادي للمشروعات المنفذة، حتى تتحول الاستثمارات الموجهة إلى الريف من مجرد تحسين للبنية الأساسية إلى قاعدة تدعم النمو الاقتصادي وتقلل الفوارق التنموية بين المحافظات.