القائمة إغلاق

التجارة.. بين تصدُّع القانون وشلل القضاء

تصدُّع القانون

عندما بدأتُ دراسة قانون التجارة في أول مراحل الدراسات العليا، كان يُقالُ لنا باستمرار أنَّ التجارة لها خصوصيَّتها الفريدة، وهذا ما جعل قانون التجارة استثناءً دائماً عن القواعد العامة! أصبحتُ بعد انتهاء كلِّ محاضرةٍ أو ورشة عملٍ، أكتُبُ في كرَّاسٍ صغيرٍ -أيام الكرَّاس الورقي- كلَّ القواعد التجارية التي مرَّت معي، وما يُقَابِلُهَا من القواعد العامة المدنية، حتى أصبح لديَّ دليلٌ مُعَقَّدٌ من القواعد والاستثناءات.

وعندما كنتُ أتحدَّث مع طلاَّب الدراسات العليا في القانون المدني الخاص، كانوا دائماً يصفون قسم قانون التجارة بالفرع المنشقِّ عن القواعد العامة، والروح القانونية غير المُنضَبِطَة، والنزعة المُبَالَغِ فيها لدعم الأعمال التي تتماشى مع تقديس رأس المال، وما شابه من التُّهم الباطلة. في الحقيقة، قواعد التجارة ذات طبيعةٍ مُختَلِفَةٍ عن القانون المدني، وذلك ببساطةٍ لأنَّ التجارة يَحكُمُها أعرافٌ نشأت بين التجَّار منذ قديم الزمان، وأصبحت ملزمةً فيما بينهم تحت مِظلَّة شرف المهنة؛ ولذلك نرى هذه القواعد شديدة المرونة وتعتمد على الثقة.

أي أنَّ قانون التجارة هو الأصل في فكرة تنظيم العمل ضمن أعراف ملزمة نشأت عن الواقع العملي. لكنَّنا نرى اليوم النزاعات التجارية في أروقة المحاكم التجارية ذات الطابع المدني على أساس الرؤية الخاطئة التي ترى في قانون التجارة قانوناً خاصاً تُستَثْنَى أحكامه من القانون المدني. أي أنَّ قوانين المرافعات في الدول العربية قد سارت في ذات الطريق الخاطئ من اعتبار النزاع التجاري نزاعاً مدنياً ذو طبيعة استثنائية، مع أنَّه نزاع ذو طبيعة خاصَّة مُستَقِلَّة تماماً. يكفي مثلاً الإشارة إلى التسويف والمُمَاطَلَة الذي تحويه قواعد الإعلان -أو تبليغ الخصوم- قبل اكتمال الخصومة والبدء بجلسات الدعوى أمام القضاء، فهي قواعدٌ إجرائيةٌ صارمةٌ من النظام العام، وفي نفس الوقت روتينيةٌ يمكن استخدامها للتضليل والغدر بالخصوم، فيرى التاجر نفسه أمام محكمة الإفلاس في دعوى كيديةٍ بسبب التلاعب بالإعلان.

الأمر الآخر المُدَمِّرِ لدورة الحياة التجارية، هو تقديم طلبات الخبرة التي تأخذ وقتاً لاستدعاء الخبراء وإصدار تقريرهم، ثم التباطؤ الذي يتَّصف به القضاء من تَتَالِي الجلسات وضغط الدعاوى، الأمر الذي قد يجعل مثلاً كمياتٍ هائلةٍ من البضائع التي تنتظر في الموانئ تحت خطر الفساد أو انتهاء الصلاحية. هذا غير إجراءات الطعن على درجات التقاضي، ثم إمكانية وقف التنفيذ، بالإضافة إلى الصلاحيات التقديرية الواسعة لقضاة الموضوع خلال سير الدعوى، وغيرها الكثير من المصاعب القضائية التي تنقلب إلى مآسٍ تجاريةٍ حقيقيةٍ يكون القضاء مشلولاً وعاجزاً عن حلِّها حتى إزاء قواعد مرافعات استثنائية، وذلك لأنَّها تنتمي في النهاية إلى ذات الفكر القضائي الروتيني. لهذا فقد ذهب الكثير من الفقهاء إلى أنَّ الحلَّ الأمثل هو التحكيم التجاري، وقد أصاب الصداع جميع الباحثين في القانون من كثرة تكرار جملة أنَّ: “التحكيم هي وسيلة حلِّ النزاع البديلة الأمثل للنزاع التجاري”.

وفي الواقع، بعد مرور مدة على تجربة هذه الوسيلة في الدول العربية، ظهر أنَّها تعاني من ذات المشاكل الروتينية التي عانت منها النزاعات التجارية أمام القضاء التقليدي، ببساطةٍ؛ لأن حكم التحكيم يجب أن يكتسي الصفة الرسمية التنفيذية بقرارٍ صادرٍ عن القضاء. كما أنَّ الكثير من الخصوم يُكَايِدُ بعضهم بعضاً فيطعن في اتِّفاق التحكيم الأصلي أو يدَّعي عدم أهلية المحكمين، أو مخالفة الحكم التحكيمي للنظام العام، وغيرها الكثير من الحيل التي جعلت من التحكيم -في أحيانٍ كثيرةٍ- وسيلةً وهميةً لحل المنازعات؛ فهي في حقيقتها مُجرَّدَ قناعٍ للتقاضي التقليدي نفسه.

وإذا أردنا الحديث بصراحةٍ، فإنَّ التجارة من حيث قواعدها أكبر من جدران المحاكم من جهة، كما أنَّ آثار الفشل في حل النزاع التجاري أكبر من مجرد انتهاك العدالة من جهة أخرى: # أولاً: لا يمكن تقييد التجارة ضمن موادٍ قانونيةٍ مُعيَّنةٍ محصورةٍ في نظامٍ عامٍّ نظريٍّ ملزمٍ، وإلاَّ تصلَّبت القواعد التجارية، وأهمَلها التجار؛ لذلك نرى العديد من المجتمعات التجارية تعمل على أساس قواعدٍ مُخَالِفَةٍ لقانون التجارة بشكلٍ كبيرٍ وهذا دليل على انفصال القانون عن الواقع وانعدام أيِّ منطقٍ عمليٍّ له. وقد حاولتْ معظم قوانين التجارة العربية تجاوز هذه الإشكالية بالنص على أن الأعراف التجارية هي مصدر مكمل للقانون؛ لكن العرف التجاري سيُقدَّم في التطبيق على القواعد القانونية غير الملزمة فقط أو في حالة عدم وجود بند تعاقدي أو نص قانوني، أمَّا النصوص القانونية التجارية الخاصة الملزمة فتبقى مُقدَّمةً على هذه الأعراف.

# ثانياً: الفشل في إدارة النزاعات التجارية سيعني توقُّف عجلة الاقتصاد، وهذا أثرٌ أخطر وأعمق بكثيرٍ من النزاعات المدنية، مثل النزاع على عقد لبيع عقار أو غيرها من النزاعات بين الناس، فمهما بلغت قيمة النزاعات المدنية، إلاَّ أنَّها تُمثِّل تعاملاً واحداً فقط، وليس سلسلةً من التعاملات الائتمانية كالتي تُميِّز تعاملات التجارة لدى تدوير رأس المال. وبالنتيجة، فإنَّ قانون التجارة الذي يحكم تعاقدات التجَّار يجب أن يلعبَ دوراً تجميعيَّاً للأعراف أكثر منه مُنشِئَاً للقواعد الصارمة، كما يجب أن يستقلَّ قانون المرافعات التجارية عن المدنية، ويجدر بجميع القواعد المُرتَبِطَة بالعمل التجاري أن تكون مُحدَّثة كل 3 سنوات على الأكثر خاصةً في زمننا الذي بات فيه لكلِّ ابتكارٍ استغلالاً تجارياً فورياً، وأصبحت عملية تشكُّل الأعراف التجارية أسرع بكثيرٍ من الماضي.

بناءً عليه، لا يبدو أنَّ أيَّاً من القضاء أو التحكيم هو الأسلوب الناجح في حلِّ النزاعات التجارية بين التجار، تلك النزاعات التي من الأفضل أن تَحُلّها غرفة التجارة بآلية التوفيق أو الوساطة بشكل أساسي وضمن إطار الشخصيات الخبيرة ذات الاحترام في الوسط التجاري، وفي ظلِّ الأعراف التجارية حصراً، كما يجب تفعيل دور الغرفة الرقابي والحسابي للتجَّار الذين يؤذيهم التعرُّض لسمعتهم في المجتمع التجاري أمام الغرفة، أكثر من دفع التعويض أمام القضاء. لكن ما أبعد الواقع القانوني العربي عن مثل هذه التوصيات، حيث نجد قوانين التجارة الصَّدِئَةِ من مرور الزمن، والمُتَصَدِّعَةِ من كثرة الثغرات، والمُتَهَالِكَة من كِثرَةِ هَجْرِ التجَّار لها واعتمادهم على قواعدهم الخاصَّة فيما بينهم.

أي أنَّ التعاملات التجارية العربية في معظمها مُسيَّجةٌ بسياجٍ من الروتين، ومُحاطةٌ ببيئةٍ قانونيةٍ تجهل طبيعة التجارة الحقيقة، ومحكومةٌ بأصولٍ قضائيةٍ تُخَالِفُ أدنى معايير المرونة. بقلم: د. همام القوصي (دكتوراه بالقانون التجاري – تخصص قانون وأنظمة بورصة الأوراق المالية)

Posted in مقالات وكتاب

مواضيع مرتبطة