القائمة إغلاق

«إسقاط القروض».. الوقوف على أطلال الاقتصاد

تصدُّع القانون

للأطلالِ حكايةٌ طويلةٌ مع الثقافة العربية منذ أيام الجاهلية، على الرغم من المشاعر السلبية التي تُولِّدُها مثل هذه الوقفة الصعبة الحزينة، إلاَّ أنها تدلُّ على ارتقاء الروح، وارتباط الإنسان بالأرض، ودفاعه عنها، وعدم استسلامه لمُغتَصِبِهَا، وإنْ بالقلب.

وفي الاقتصاد العربي أطلالٌ كثيرةٌ، بل إنَّ هذا الاقتصاد لهو طَلٌّ بحدِّ ذاته، هذا الاقتصاد المُتخبِّط والمتنافر والذي لا هويةً له، يَسيرُ يمنةً ويسرةً، يترنَّح على مشارف التجارب العالمية، فيفشل، ثم يستجدي العون، ويفشل، وهكذا في رحلة سقوطٍ اقتصاديٍّ لولبيٍّ لمَّا تنتهي بعد. إحدى أحدث هذه السقطات، حكاية القروض الفاشلة والانكشاف المالي للبنوك الآونة الأخيرة… مُخطئٌ من يربط هذه التجارب بدولةٍ عربيةٍ واحدةٍ أو يرمي بالمسؤولية على حكومةٍ عربيةٍ فاشلةٍ بعينها، بل إنَّ ظهور الفشل البنكي في عمليات القروض في أية دولةٍ عربيةٍ هو فشلٌ في مجموع الاقتصاد العربي.

عندما نرى كيف تتعامل كلُّ حكومةٍ عربيةٍ مع اقتصاد دولتها بشكلٍ متقوقعٍ عن المحيط العربي، كيف تتوحَّد على ذاتها، أو تطلب الشراكة مع اقتصادياتٍ أجنبيةٍ هائلةٍ تترقَّب الفرصة لابتلاعها، نعرف أن السياسة المُتفرِّقة للاقتصاد العربي هي التي أدَّت إلى شح السيولة، وضعف دوران رأس المال، ثم فشل النظام البنكي. هذا الوضع هو الذي أدَّى إلى حاجة المواطن العربي للقرض من الأساس، حيث نجد ذلك المواطن يرمي بثقل معيشته على راتب الدولة أو القطاع الخاص، ذلك القطاع الذي تمدُّه أيضاً الدولة المرهقة بالمعونة.

ثم يسعى المواطن إلى مبلغٍ حتى يبدأ به حياته، فيذهب إلى البنوك حتى يقترض، ذلك دون ضماناتٍ سوى راتبه الذي جاء أساساً من الدولة بشكلٍ مباشرٍ في حالة الأجر أو غير مباشرٍ في حالة الدعم. وبعدها إذا فشل المواطن بتسديد القرض، ولم تكنْ الضمانات كافيةً، وبدأت أزمة السيولة تعصف بالخزانة العامة، فإنَّ البنك سيلجأ إلى البنك المركزي الحكومي حتى يَمُدَّه بالسيولة، وهكذا تتحمَّل الدول العربية أعباءً ماليةً هائلةً لا يمكن تخيُّلها! وبعد كلِّ هذا، تجد المواطن العاجز عن تسديد قيمة القرض، رافعاً راية: “إسقاط القروض” بكلِّ صراحةٍ!! إنَّ ما دفع المواطن العربي حتى يكون مُتَسَاهِلاً مع سحب مبالغ القروض، وغير واعٍ لما سيترتَّب على عدم تسديده لهذا الدين من تبعات، هو علمه بوجود خزانةٍ عامةٍ تدعمه.

ثم إنَّ هذا المواطن يدفعه أحياناً شعورٌ بالأنانيةٌ عند سحب مبلغ القرض، فهو يقول في نفسه: “ماذا سيحصل إذا لم أُسدِّد القرض؟ ما هي قيمة مبلغ هذا القرض في مقابل المبالغ الخيالية التي يسرقها الفاسدون من الخزانة العامة؟!”.

فإذاً، المشكلة في النظام البنكي متجذِّرةٌ بسبب نقص الوعي وضعف الشفافية والمصادقية، والنتيجة ببساطةٍ هو دولٌ عربيةٌ تقف على الطابور أمام البنك الدولي حتى تسحب المزيد من التمويل بالدين، وهكذا يستمرُّ الاقتصاد العربي في الغرق. وفي آخر المطاف مَن سيدفع الثمن؟ الجميع سيدفعون. ثم تستمرُّ دوامة الاضطراب المجتمعي، واختلال التوازن بين طبقات الدخل، وانقطاع الصلة بين المصلحة الخاصة والعامة، وضعف الانتماء للاقتصاد الوطني.

ففي الوقت الذي نجد فيه الشعوب الغربية -مثل الجرمانية والانجليزية- غارقةً في حب المادة حتى الموت، إلاَّ أنَّها تنتمي إلى المصلحة العامة قبل أن تنتمي إلى مصلحتها الخاصة، وهنا لا يكمن السبب في ضعف الفساد بهذه الدول فقط، بل في ارتفاع مستوى الوعي وبُعد الأفق، حتى أنَّ هذا الوعي هو الوحيد القادر على القضاء على الفساد أصلاً. كم يبعد الواقع العربي عن هذه الصورة النموذجية.

وإذا رجعنا للمشكلة الآنية الخاصة بالقروض، فهل يكمن الحل بإسقاطها كما هو المطلب الشعبي؟ أم أنَّ هذا الإسقاط هو انتحار مالي حقيقي سيؤدي إلى إفلاس الخزينة العامة؟ الحقيقة أنَّ المشكلة أخطر من هذا التحليل البسيط، فالقروض تتنوع وترتبط بالوسط المالي الذي تمَّ مده بالسيولة. فإذا كانت القروض تجاريةً، أدَّى تحصيلها السريع إلى إفلاس التجَّار وتوقف عجلة رأس المال، وإذا تمَّ إسقاطها فإن الدولة ستعجز عن تنفيذ مُخطَّطات التنمية، وستتوقَّف عن دعم المؤسَّسات التجارية الناشئة بالسيولة، وهو ما سيؤدِّي أيضاً إلى جمود رأس المال.

أمَّا إذا كانت القروض مدنيةً، فإنَّ التنفيذ على الناس سيكون محفوفاً بالمخاطر، لأنَّ إعسار الطبقات الوسطى وما دون من المجتمع سيؤدِّي إلى ضعف الطلب على السلع والخدمات في السوق، ممَّا سيؤدِّي إلى تباطؤ الاقتصاد ودخوله في مرحلة الانكماش التي بدأت بالفعل بسبب جائحة كورونا على المستوى العالمي. وإذا تمَّ إسقاط القروض المدنية، فإنَّ هذا سيؤدِّي إلى ارتباكٍ مستقبليٍّ في السياسة المالية والنقدية للدولة، لأنَّها ستسحب من مخازن القيمة الاحتياطية لديها، سواءً أكانت هذه المخازن على شكل استثمارات سيادية أم احتياطيات، وإذا لم تتوفر هذه المخازن فإنَّ الدولة ستضطر للاقتراض وتدخل في متاهة الدين العام، التي نادراً ما خرجت منها الدول النامية.

كل هذه النتائج الكارثية ستنعكس سلباً على الأجيال التي تمَّ إسقاط القروض عنها ذاتها، وعلى الأجيال التي تليها بشكلٍ شبه مؤكَّدٍ. فهل من حلٍّ سحري لمشكلة فشل القروض وانكشاف البنوك؟ لا يمكن حلُّ مشكلة القروض بفكرة اقتراض الدولة أو الدين العام، ولا بفكرة السحب من الاحتياطيات، بل إنَّ الحل يكمن في تسهيل عملية السداد ذاتها. فلا يجوز إسقاط التزاماتٍ مصرفيةٍ مؤثِّرةٍ جوهرياً على الاقتصاد الوطني بشكلٍ جماعيٍّ مباشرٍ، فهذا الأمر سيُرخي بآثارٍ ماليةٍ واقتصاديةٍ جسيمةٍ، خاصَّةً في ظلِّ أزمة كورونا.

لذلك، يجب العمل على فكرة “إعادة جدولة الديون” “Debt Restructuring”؛ أي ببساطة تيسير عملية سداد القروض وتخفيض فوائدها أو تأجيل آجال سدادها، ذلك بعد دراسة البنك لظروف كلِّ شخصٍ على حدة.

ويمكن من خلال عملية الجدولة هذه إسقاط الفوائد عن القروض المدنية بخاصَّةٍ، كما يجب الشروع بتحصيل القروض التجارية أولاً بشكلٍ سريعٍ؛ بغاية الوقوف على الوضع المالي بعد عملية التحصيل هذه، فقد ينشأ أملٌ بإسقاط نسبةٍ من قيمة القروض المدنية.

ولكنَّ نجاح هذه الخطَّة يتطلَّب الإسراع بتنفيذها أولاً، حيث إنَّ العمل البنكي تؤثِّر به دقائقٌ معدودةٌ، فكيف بأيامٍ وأشهرٍ من التأخير والمُمَاطَلَةِ باتِّخاذ القرار.

كما يجب ثانياً على المقترضين استيعاب هذه الإجراءات والتعاون مع البنوك لإتمام جدولة القروض، وهذا يتطلَّب الشعور بالمسؤولية، وعدم السعي وراء إسقاط القروض بشكلٍ غير مدروسٍ.

فالشخص الذي سيسقط القرض عنه اليوم، سيضرُّ غداً إلى شراء جميع احتياجاته الأساسية بأضعاف أسعارها بعد بدء انهيار الاقتصاد، وبهذه الطريقة سيتحمَّل هو ذاته الآثار السلبية لإسقاط القروض على الاقتصاد الوطني.

يجب أن يعلم الجميع أنَّ عدم تحوُّل الاقتصاد إلى طَلٍّ غابرٍ هو مسؤوليةٌ جماعيةٌ، سيدفع الجميع ثمن الفشل بها.

*(دكتوراه بالقانون التجاري – قانون وأنظمة بورصة الأوراق المالية)

Posted in مقالات وكتاب

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً