القائمة إغلاق

شركات المحاماة… الرئة الثالثة للاقتصاد

د.همام القوصى

عندما كان موضوع الشركات المدنية يُطرَحُ على النقاش، كنتُ أرى الاستغراب الشديد على وجوه الناس، حتى أنَّ بعض المحامين كانوا يعتقدون أنَّي أتحدَّث عن فكرةٍ جديدةٍ لم تظهرْ للواقع بعدُ.

 

الحقيقة، أنَّ الشركات المدنية هي من أهمِّ مفاصل الاقتصاد التي لا تظهر في حسابات التجارة التقليدية ولا في نشرات الأخبار الاقتصادية، والسبب هو وجود جهلٍ مُطبِقٍ بمعنى هذه الشركات ذات الشخصية الاعتبارية من جهة، والخلط بينها وبين مكاتب المحاماة من جهة أخرى.

 

وإذا كان مكتب المحاماة يسعى للانطلاق إلى شكل الشركة، كان يُوصَفُ دائماً بأنه يُبطِنُ العمل التجاري أو أنَّه يُتاجرُ بمهنة المحاماة، حتى أنَّ الكثير من أصحاب الحقوق بات يتجنَّب توكيل شركة محاماة خوفاً من المتاجرة بحقوقه! فهي بنظره شركةٌ للبيع والشراء!!

 

إنَّ غياب الثقافة الواعية لمعنى شركة المحاماة المدنية قد جعل الكثير من المكاتب الناجحة تتجنَّب تغيير شكلها القانوني.

 

وإذا أردنا النظر بشكل أعمق في المفاصل الاقتصادية لقطاع الشركات المهنية وشركة المحاماة نموذجاً، لوجدنا أنَّ مُجرَّد تحويل نسبة 50% من مكاتب المحاماة إلى شركاتٍ ذات رأس مال دائرٍ ومركزٍ ماليٍّ جديرٍ بالتمويل، فإنَّ هذه الصورة الإيجابية ستنعكس بشكلٍ فوريٍّ على نموِّ الاقتصاد عبر أرقامٍ واضحةٍ، هذا إلى جانب الارتقاء بالخدمات القانونية والاستشارية في الوطن العربي التي كثيراً ما عانت من أتعاب المستشارين الأجانب.

 

الأمر الآخر الأكثر أهمية، هو أنَّ المحاماة هي المهنة الوحيدة القادرة على التغريد خارج السرب والبدء في تغيير ثقافة تجاهل الشركات المهنية، فهي المهنة التي يمكن أن تُغيِّرَ الواقع عبر المطالبة بالحقوق.

 

لكن في الواقع، لا تقتصر إشكاليات شركات المحاماة على مواجهة ضعف الثقافة، حيث إنَّ شركات المحاماة تُواجِهُ العديد من العقبات بالنظر إلى تعارض المصالح الكبير الذي يخوض فيه العمل القضائي؛ فعلى سبيل المثال:

 

#          كيف سيكون شكل شركة المحاماة؟ هل هو الشكل الحِصَصي محدود المسؤولية؟، في هذه الحالة سيكون التعامل مع الشركة حَذِراً وأُفُقِها محدوداً تبعاً لضعف مركزها الائتماني بالنظر إلى محدودية مسؤولية الشركاء في إطار قيمة الحصَّة التي يُشارك بها المحامي، أمَّا إذا تمَّ اعتماد أشكال شركة التضامن أو التوصية فإنَّ مسؤولية المحامين عن ديون الشركة قد تتجاوز طاقتهم ومركزهم المالي المهني غير التجاري المحدود على الأغلب بالنظر إلى المستويات المالية للمشاريع التجارية.

 

#          هل يجب أن يكون تخصُّص جميع شركاء شركة المحاماة هو القانون؟ أم أنَّه بإمكان مجموعة من المحامين الاتِّفاق مع مستثمرٍ حتى يكون شريكهم في الوقت الذي يَصدرُ الترخيص للشركة باسم المحامين؟، الحقيقة أنَّ انفراد المحامين بالشركة قد يُضعِفُ من مركزها المالي، فيما أنَّ اشتراك أشخاصٍ من خارج إطار المهنة قد يؤدِّي فعلاً للمتاجرة في الحقوق نظراً لضغوط الشريك المستثمر.

 

#          كيف سيكون شكل سلطات مدير شركة المحاماة على باقي المحامين العاملين في الشركة؟ هل سيحقُّ له التدخُّل في عَمَلِهِم بالنظر إلى هامش التخصُّص والحرية الواجب في ممارسة المهنة؟ بالتأكيد يجب ترك هامش كبير من التقدير للمحامي يُقابله زيادة مقدار المسؤولية، وهو أمر يجب أن يضمنه القانون على غير ما هو الحال في علاقة التبعية الوظيفية بين قيادة الشركة وموظَّفيها في الشركات التجارية.

 

#          هل يجوز التنافس بين مكاتب المحاماة الفردية وبين الشركة؟ على اعتبار أنَّ الشركة ستتمتَّع بشخصية اعتبارية منفصلة عن المحامين المؤسِّسين أو الشركاء، فهل يمكن لهؤلاء المحامين ممارسة المهنة في مكاتبهم الخاصَّة؟ وكيف سيتمُّ مواجهة تعارض المصالح وخصومة المحامين ضدَّ شركتهم؟ كان هذا التنافس من أهمِّ الأسباب التي قوَّضت انتشار شركات المحاماة وكانت السبب المباشر في تصفيتها أو حتى شهر إفلاسها.

 

بناءً على كلِّ ما سبق، يبدو أنَّ شركات المحاماة تَستطيعُ تَدوِيرَ رؤوس أموالٍ ضخمةٍ بالنظر إلى الحجم الهائل للعمل العدلي؛ حيث إنَّ الباحث المالي يستطيع مضاعفة عدد الدعاوي بمقدار الأتعاب ودعم رأس المال، والسبب هو أنَّ لكلِّ دعوىً طرفَيْن يُمثِّلهما على الأقل محامِيَيْن اثنَيْن.

 

لكن هل سيتم خدمة العدالة بالتوازي مع هذه المكاسب الاقتصادية؟، هل إنَّ تحول العمل القانوني والاستشاري نحو الشكل المؤسَّساتي يضمن له المزيد من الشفافية والارتقاء في مهنة المحاماة؟

 

تبدو الشركات المدنية وفي صدارتها شركات المحاماة هي رئة الاقتصاد الثالثة بعد المشاريع التجارية والقطاع الحكومي، وهذا أمرٌ لا شكَّ فيه، لكن مدى قدرة هذه الشركات على القيام بواجبها الأساسي ضمن المفهوم الأخلاقي لمهنة المحاماة يبقى مثار شكٍّ.

 

والسبب ليس الشكل القانوني المُتمثِّل بالشركة بالقدر ما هو عدم التناسق بين مفردات العمل المهني القانوني وبين القواعد التي تخضع لها الشركات بغضِّ النظر عن شكلها.

 

فالشركة، أياً كان شكلها أو الغرض منها، هي بالأساس شخصيةٌ اعتباريةٌ تنشأ من التعاقد على الاشتراك في المخاطر من أجل الربح، فكيف يمكن لهذا الشكل المؤسَّسي أن يختصَّ بالعمل من أجل تحقيق العدالة؟

 

تبدو شركة المحاماة المعنى الأكثر احترافيةً لمهنة المحاماة، والعنصر المدنيَّ الأكثر دعماً لاقتصاد الدولة بالسيولة، إلاَّ أنَّ ضعف ثقافة المشروع المدني الهادف لممارسة مهنةٍ ذات ضوابطٍ أخلاقيةٍ كمهنة المحاماة، هي ظروفٌ ستقف في وجه شركات المحاماة إذا لم تتمَّ معالجتها،

 

والمستقبل خير برهان.

د. همام القوصي (دكتوراه بالقانون التجاري – تخصُّص قانون وأنظمة البورصة).

Posted in مقالات وكتاب

مواضيع مرتبطة