القائمة إغلاق

محمود محي الدين: معايير ومستوى الإفصاح مازالا بحاجة إلى مزيد من التقدم والعمق

محمود محى الدين

قال الدكتور محمود محي الدين المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل أجندة 2030، و الذي شغل سابقًا منصبي المدير المنتدب للبنك الدولي والنائب الأول لرئيس البنك الدولي خلال الجلسة الأولي من المؤتمر الذي نظمته المجموعة المالية هيرميس للمستثمرين تحت عنوان “الأسواق الناشئة بعد كوفيد – تمويل خطط النمو” أن جائحة كورونا وما تبعها من تأثيرات سلبية علي الاقتصاد العالمي فرضت العديد من التساؤلات بشأن استدامة التحويلات من الخارج وأثرها على مستقبل الاقتصاد والاحتياطي النقدي وحياة المواطنين بشكل عام، مشيراً إلي أن هناك متغيرات عديدة من بينها تلك الناتجة عن أزمة (كوفيد – 19) إلى جانب تحديات أخرى تتعلق برقمنة الخدمات غير القابلة للتسليع.

جاء ذلك فى لقاء بالمؤتمر الاقتصادي الرقمي الثاني للمجموعة المالية هيرميس في 1 أكتوبر 2020  والذى تضمن كلمة كريم عوض، الرئيس التنفيذي للمجموعة المالية هيرميس، بالإضافة إلى عرض تقديمي بعنوان “الأسواق الناشئة بعد كوفيد – تمويل خطط النمو” قدمه الدكتور محمود محي الدين الذي يشغل منصب المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل أجندة 2030، وشغل سابقًا منصبي المدير المنتدب للبنك الدولي والنائب الأول لرئيس البنك الدولي. يلية مقابلة مع سايمون كيتشن – رئيس استراتيجية البحوث بإدارة البحوث بالمجموعة المالية هيرميس .

والى نص الحوار

كنت وزيرًا للاستثمار في مصر منذ قرابة 1015 عام حيث أشرفت على خصخصة أصول الدولة ونجحت في حشد كميات هائلة من الاستثمار الأجنبي المباشر. في ذلك الوقت كان يتم اعتبار تلك التوجهات من محفزات النمو الاقتصادي، ولكننا الآن أمام نموذج آخر في الأسواق الناشئة والمبتدئة، ومن بينها أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تلعب الحكومات دور القيادة في تحقيق ودفع النمو الاقتصادي. أين يترك ذلك القطاع الخاص برأيك؟

لا شك أن الخصخصة بمفهوم التسعينات وبداية هذا القرن تختلف تمامًا عن طبيعة واحتياجات المرحلة الراهنة، ولكنني ما زلت على قناعة بأن هناك حاجة ضرورية لاتباع نهج براجماتي مرن يقوم على التفاعل بشفافية وانفتاح مع حركة الأسواق والمعطيات الاقتصادية وكذلك دوائر الاستثمار على نطاق واسع. نحن بحاجة ملحة لتأصيل قيم الكفاءة والتنافسية والقدرة الإنتاجية وغيرها من القيم الرئيسية اللازمة لنجاح أي منظومة اقتصادية حول العالم.

هناك بالطبع قيمة حقيقية لتدخل الدولة، سواء بدورها الرقابي والتشريعي، أو حتى أكثر من ذلك في بعض الحالات، وهذا أمر ضروري وصحي لحماية الأسواق، شريطة أن يتم في إطار منهجي متطور وأن يستند لبيانات واضحة ومتكاملة وأن يكون مدعومًا بالقدرة على المتابعة والإشراف بفعالية. العامل الآخر يتمثل في دور الدولة فيما يتعلق بإدارة الأصول، وأعني هنا نظام إدارة الأصول سواء بالبيع أو الشراء أو التشغيل، وهو النظام الذي طورته في 2004 ونتوقع أن تشهد الفترة القادمة توسعات ملموسة في تطبيقه.

ومن بين النماذج المتنافسة اليوم، هناك نجاحات يمكن رصدها بسهولة في النموذج الأنجلو ساكسوني التقليدي وأيضًا في النماذج الشابة الناشئة في أسواق آسيا. ما أعنيه هنا بالعمل وفق نهج براغماتي مرن لا يتعلق بشكل النموذج المطبق بقدر ما يتعلق بضمانات التعامل بشفافية ووضوح حول كيفية تحقيق الأهداف النهائية وهي خلق النمو الحقيقي وتشجيع المنافسة والتنافسية وإتاحة المزيد من فرص العمل.

جودة الإفصاح تعد أمرًا جوهريًا بالنسبة لتقييم الممارسات والمعايير البيئية والمجتمعية والحوكمة. هل بإمكاننا أن نرى إفصاحات عالية الجودة، وبما يصب في صالح المساهمة الفعالة في تأصيل تلك الممارسات حينما تتولى الدولة قيادة النمو الاقتصادي؟

معايير ومستوى الإفصاح مازالا بحاجة إلى مزيد من التقدم والعمق. هناك في الوقت الحالي معايير قليلة وتكليفات أو دوافع أقل للإفصاح، ولكن نرى أن هناك قناعة بدأت تترسخ لدى الجميع بالدور الحيوي الذي تمثله الأبعاد البيئية والمجتمعية ومعايير الحوكمة في تشجيع المناخ الاقتصادي بشكل عام. لأول مرة نرى “الأربعة الكبار” من مؤسسات المراجعة والتدقيق متفقين بشأن الإطار العام لأعمال التدقيق بناء على معايير الإفصاح عن ممارسات البيئة والمجتمع والحوكمة، كما أن نيوزلندا أصبحت أول دولة تابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تجعل هذا النوع من الإفصاح إلزاميًا. الإفصاح بشفافية أمر جيد للجميع حتى ندرأ ذريعة “التبييض” أو الادعاءات بغير الحقيقة عن الشركات والدول على حد سواء. شأنها شأن المعايير المحاسبية، نحن بحاجة شديدة إلى تطبيق معايير واضحة للإفصاح عن الأبعاد البيئية والمجتمعية ومعايير الحوكمة.

هل يمكنك تحديد بعض أصول الدولة المدارة بشكل سليم وفعال؟

الملكية في حد ذاتها ليست مقصدًا في النهاية، وهناك معايير أكثر كفاءة ودقة لقياس الأداء الاقتصادي ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر، قيم الانضباط ونظم الإدارة وغيرها. ونرى بالتأكيد الكثير من الأمثلة الناجحة لنماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص حول العالم مثل الأصول الفندقية ومشروعات المرافق والمؤسسات المالية وغيرها من الأصول المملوكة للدولة وتخضع إدارتها لمعايير القطاع الخاص. فكلما وجدنا منافسة سوقية والتزام بالمعاييرالتنظيمية، سنجد نماذج ناجحة للأصول المملوكة للدولة.

هل يمكن تطبيق آليات الحكم المحلي في دول خاضعة لنظم المركزية؟

الأمر بلا شك يزداد سهولة في نظم الحكم الفيدرالي مثل كولومبيا وإسبانيا. ولكن حتى في النظم المركزية، نؤمن أن الانضباط والمرونة في عملية اتخاذ القرار على المستوى المحلي فيما يتعلق بأوجه الإنفاق والموازنة سوف يكشف عن أية فجوات ويتيح بالتالي مخاطبة كل منها على حدة. يعتبر التطور الرقمي سمة العصرفي العالم اليوم، وبالتالي لم يعد الحديث مقتصرًا على المركزية في مواجهة اللامركزية، بل أصبحت الإدارة المحلية وتوطين التنمية أمراً ممكناً وقابلاً للتطبيق في أي مكان من خلال الاستعانة بالنظم الرقمية الحديثة.

تحويلات العاملين بالخارج صمدت إلى حد كبير في مصر وباكستان وغيرها من الأسواق الناشئة. برأيك ما هي دوافع هذا الصمود وهل هي قادرة على الاستدامة في المستقبل؟

بالطبع هناك تساؤلات عديدة بشأن استدامة التحويلات من الخارج وأثرها على مستقبل الاقتصاد والاحتياطي النقدي وحياة المواطنين بشكل عام، ونرى متغيرات عديدة من بينها تلك الناتجة عن أزمة (كوفيد – 19) إلى جانب تحديات أخرى تتعلق برقمنة الخدمات غير القابلة للتسليع. وأضف إلى ذلك ظهور الأفكار والسياسات الشعبوية والأحزاب اليمينية المتشددة في أوروبا ودورها في عرقلة تدفقات الهجرة. علينا في هذه الحالة أن ندرس التحولات بشكل تدريجي على فترة زمنية ممتدة وليس فقط خلال عام 2020. كما يجب الاستعداد والتعامل مع المؤشرات التي تبعثها الدول المضيفة والتي تسعى إلى التأميم والرقمنة وتقديم مختلف الخدمات آليًا، وهو ما سيؤثر بطبيعة الحال على معدل الهجرة والتحويلات المالية. وعلى الرغم من نمو تحويلات العاملين بالخارج على مدار السنوات العشر الماضية وبشكل يتجاوز الاستثمارات الأجنبية المباشرة في بعض الحالات، إلا أننا يجب علينا دراسة المخاطر وكافة العوامل المؤثرة لمعرفة التوجه السائد فيما يخص تحويلات العاملين بالخارج.

من اللافت للنظر أن نرى مجلس الاحتياطي الفيدرالي يبذل قصارى جهده خلال شهري مارس وأبريل. مؤشر ستاندرد آند بورز (S&P) يرتفع إلى مستويات عالية جديدة، وسوق الأسهم السعودية في انتعاش، وبينما اتجهت البنوك المركزية في مصر وباكستان إلى خفض أسعار الفائدة في محاولة لدفع الأسواق المالية. يبدو أن هناك انفصالًا بين الأسواق وما يحدث في الاقتصاد الحقيقي. هل سيكون هناك تصحيح في الأسواق المالية أم أننا نبالغ في تأثير كوفيد-19 على الاقتصاد الحقيقي؟

عدم الارتباط بين الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي ليس ظاهرة جديدة بأي حال من الأحوال ولكنه أكثر إثارة للاهتمام في الوقت الراهن. لا يخفى على المتابع الجيد أن الأسواق تطلعية بطبيعتها، وفي كثير من الحالات تقودها شركات استفادت بأشكال عدة من الحزم التحفيزية الأخيرة أو استفادت من الأوضاع الراهنة بشكل مباشر. المثال على ذلك هو الشركات الرقمية والتقنية وغيرها من الأنشطة التي صعدت للمقدمة خلال جائحة كوفيد-19. وفي المقابل، لدينا الكثير من المواطنين والأفراد الذين يحصلون على دعم نقدي مباشر، علمًا بأن إعادة ضخ تلك الأموال في السوق هو الخيار الوحيد نظرًا للظروف والأوضاع الراهنة. اعتقد أن الوقت قد حان لتجاوز تحليلات السوق وأن نبدأ في متابعة قطاعات بعينها أو شركات بعينها أو حتى أصول بعينها إذا أردنا صورة دقيقة لما يحدث على أرض الواقع. أما بخصوص خفض الفائدة، نرى أن هناك الآن مساحة أكبر للبنوك المركزية بالأسواق الناشئة لإعادة النظر في ترتيبات السياسة النقدية في إطار توجه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وتوجيهاته بشأن افتراضات العام المقبل.

أليست النتيجة في النهاية ارتفاعًا في التضخم؟ إن أعباء الديون مرتفعة للغاية في جميع أنحاء العالم، والتضخم بالنسبة للبلدان المتقدمة هو الطريقة الواضحة لتخفيف عبء ديونها. لكن الأسواق الناشئة غير قادرة، كمقترضين بالعملة الصعبة، على تضخيم أعباء الديون. إلى أين يتجه التضخم في رأيك، وفيما يتعلق بمسألة الديون، أين ترى نقاط الضعف الرئيسية في الديون السيادية؟

في أغلب الأحيان يقع المحلل أو الاقتصادي في مشكلة عند نقل نماذج من الأسواق المتقدمة لتطبيقها على الأسواق النامية. إذا كنت تقترض بمعدل فائدة 0% أو قرب 0% بالعملة المحلية، وتقدر على ذلك دون مخاوف بشأن استدامة الدين فهذا أمر جيد. من المعقول على سبيل المثال أن تقترض بسعر منخفض لاستبدال الدين القائم. ولكن هذا ليس الحال بالنسبة للاقتصادات ذات الدخل المنخفض والمتوسط نظرًا لارتفاع سعر الفائدة وتقلب أسعار العملة وهنا تكمن إشكالية استدامة الدين والقدرة على الوفاء بأعبائه. وبهذه المناسبة أشير أنه خلال بضعة أسابيع سوف يناقش صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أطروحة استدامة الدين علماً بأن كلتا المؤسستين طالما حذرتا من الموجة الرابعة من الديون قبل تفاقم أزمة “كوفيد – 19”.

عندما يتعلق الأمر بالتضخم فإن المؤشرات الاقتصادية ستخبرك بأنه في حالات الركود ستحتاج الاقتصادات النامية إلى فتح الصندوق الأسود للرقم القياسي لأسعار المستهلكين. نحن بحاجة للنظر فيما هو أبعد من مؤشر السعر الاستهلاكي والنظر بشكل أكثر دقة في مكونات سلة السلع الاستهلاكية نفسها للتحقق من مدى تأثر بعضها من تبعات كوفيد -19 مثل الغذاء أو الإنترنت أو الخدمات الصحية. ونحتاج لسن سياسة نقدية وترتيبات اجتماعية بناء على نتيجة هذا الاستبيان.

ما هي البلدان والمناطق المعرضة لمزيد من المخاطر نظرًا لأن الفيروس باقياً معنا على المدى المنظور؟ سيكون الانتعاش بطيئًا مهما كان الشكل، فأين ترى نقاط الضعف؟

الكثير من الدول في الوقت الحالي بدأت تكتسب مساحة للتنفس، غير أنه ينبغي التركيز على الدول منخفضة الدخول التي كانت أكثر عرضة لتقلبات أسعار السلع الأساسية. نحن بحاجة إلى خطوات فعالة فيما يتعلق بجهود خفض مستويات الدين وسبل تسوية الديون، وكذلك الأطر المنظمة لتلك القضايا. سيتوجب على الدول ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة المبادرة باتخاذ ما يلزم من إجراءات قبل اتجاه الأسواق إلى تسعير مخاطر العجز عن سداد الديون. والأهم من ذلك، يجب على تلك البلدان تحري الشفافية فيما يتعلق بهياكل الديون وقدرتها على السداد وسط الظروف الراهنة، فهذه الدول ستحتاج المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتنمية محفظتها الاستثمارية، وبالتالي يجب تأسيس مناخ أعمال يساهم في تحقيق النمو عبر جذب الاستثمار الأجنبي المباشر بدلاً من الاعتماد على تمويل الديون.

على حد ما نرى، التوجه إلى العولمة يجلب معه تجزئة السوق وزيادة الأقلمة. كما أن النموذج المطبق في العديد من دول المنطقة يقوم على تنمية الصادرات والاستثمارات الأجنبية المباشرة والتوسعات الائتمانية. هل يمكن للدول الناشئة الخروج من وطأة الفقر عبر تبني هذا النموذج أم هل هناك توقعات نمو مختلفة للفترة المقبلة؟

أتوقع أن نرى المزيد من العولمة ولكن بشكل مختلف. سيظل نموذج التجارة والاستثمار السبيل الرئيسي لتحقيق النمو الاقتصادي غير أننا سنشهد من يتصدر المشهد خلال العقد المقبل، مع العلم بأن الأزمة الراهنة أدت إلى تسريع وتيرة التوجه إلى العولمة. ففي مصر، الدولة تستهدف لأول مرة تنمية حجم الصادرات إلى 100 مليار دولار، والذي سينعكس تأثيره بشكل واضح على النمو الاقتصادي وحجم الاستثمار. من المفترض أن زيادة حجم الصادرات من 30 إلى 100 مليار دولار سيأتي من القطاعات غير النفطية، وهو ما يطرح تساؤلات عديدة حول سبل الاستثمار والإنتاج والتمويل اللازمة لتحقيق هذا الهدف. والواضح أن المسعى هنا هو تنويع الاقتصاد على الرغم من كونه أكثر فعالية وإفادة للدول النامية في الوقت الحالي. وستظل زيادة الصادرات مهمة بالنسبة للدول العربية لأن الأسواق المحلية ليست ضخمة بالشكل الكافي، وهو ما سيساهم في جذب المزيد من الاستثمار وزيادة المعرفة اللازمة شريطة عدم تطبيق النماذج بعينها التي تتبناها الدول المتقدمة.

Posted in اقتصاد محلي،بورصة

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً