د.همام القوصى يكتب.. الفلسفة الضريبية (ج2) مكافحة الأفراد للتضخُّم والغلاء

Share on twitter
Share on facebook
Share on whatsapp
Share on email
 دَخَلَ الاقتصاد العربي في نَفَقٍ من الأزمات المالية والغلاء المُتَتَابع منذ زمنٍ طويلٍ، حيث تعرَّضت الاقتصاديات العربية المُجَزَّأة إلى موجاتٍ عميقةٍ من التضخُّم المُتَرَاكِمِ. وكان من نتائج هذه التجربة الاقتصادية المَرِيرَةِ، أنْ تَبَنَّت الدول العربية “فلسفة الدعم”؛ أي أن تَحتَمِلَ الدولة الأعباء المالية عن الأفراد؛ حيث اعتمدت الدول العربية على فكرة دعم الأفراد مالياً على شكل تحديد أسعار بعض السلع الأساسية؛ مثل الخبز ومواد التدفئة، إضافةً للكهرباء، والمياه، والغاز المنزلي، والأدوية الأساسية، وغيرها. لكن بعد حلول أزمة كوفيد-19، وارتفاع أسعار السلع إِثْرَ ارتفاع أجور النقل عالمياً، أو ما بات يُسمى بأزمة: “سلاسل الإمداد”، ثم الأزمة الأوكرانية؛ فقد حدث ارتفاعٌ عالميٌّ بأسعار السلع والخدمات المدعومة، ممَّا قد جَعَلَ من ميزانيات الدول التي تُقدِّم الدعم على شِفَا الإفلاس.
وهكذا، فقد أصبح الغلاء يدقُّ كلَّ بابٍ عربيٍّ. لذا، وفي ظلِّ هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، فقد بدأت بعض الدول العربية تتخلَّى عن منهج الدعم الاقتصادي الحكومي؛ حتى تَعتَادُ الشرائح الاجتماعية الدنيا على الغلاء، كلُّ ذلك تمهيداً لفرض الضرائب.
فيما استطاع البعض الآخر من الدول العربية -التي تَمتَلِكُ ثرواتٍ ريعيةٍ كالنفط والغاز- أن تَبدَأَ فِعلاً بسياسة فرض الضرائب الاستهلاكية، نَظَراً لارتفاع مستوى معيشة معظم أفرادها. والمشكلة، أنَّ التخلِّي عن الدعم الحكومي، وفَرضِ الضرائب على الناس؛ فيه تغييرٌ جذريٌّ للسياسة الاقتصادية، وهكذا تَستَعِدُّ الشرائح الوسطى في المجتمع للهبوط إلى شريحة الفقر، فيما بدأت الشرائح الفقيرة تَسقُطُ حتى تحت مستوى الفقر.
وإذا حاولت الدول العربية أن تُجنِّبَ الأفراد عبء الضرائب الاستهلاكية بشكلٍ خاصٍّ، فإنَّها لن تَجِدَ حلاًّ سوى نقل هذا العبء إلى فئة المستثمرين، ذلك في الوقت الذي لا تُعتَبَرُ فيه معظم الدول العربية مَحَلاًّ جاذِبَاً للاستثمار بالشكل المطلوب، وذلك لأسبابٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ عديدةٍ؛ الأمر الذي يَجعَلُ البيئة الاستثمارية غير قابلةٍ إطلاقاً لزيادة الضرائب. وهكذا، ستَجِدُ الحكومات العربية نَفسَهَا وهي تَضَعُ السياسة الضريبية، بين مطرقة أزمات السيولة ونقص الموارد، وبين سندان الفقر الذي يُعَانِي منه الأفراد.
وعلى اعتبار أنَّ تجربة فرض الضرائب الاستهلاكية على الأفراد هي تجربةٌ جديدةٌ على الدول العربية، فإنَّ آثارها بعيدة المدى لم تظهرْ بعدُ. وإن كنَّا بدأنا نُشَاهِدُ موجاتٍ من الغلاء بدأتْ تَجتَاحُ الأسواق العربية في ظل الغلاء العالمي للسلع. والأسوأ، أنَّه إذا فشلت خطَّة التنمية التي يتمُّ تمويلها من موارد الضرائب؛ عندها ستنخفض القيمة الشرائية للنقود في مقابل شراء ذات السلع بذات الكمية، أو ما يُسمَّى اصطلاحاً بالتضخُّم.
أي أنَّ أزمة الغلاء وانخفاض مستوى المعيشة ستتضاعف؛ ذلك بعوامل ضعف الاقتصاد أساساً من جهةٍ، وبِفِعل عوامل التضخُّم التي تضغط على العملة الوطنية من جهةٍ أخرى. إذاً، كيف يمكن للأفراد مواجهة موجات الغلاء العاتية؟ الحقيقة، أنَّ الإجابة عن هذا التساؤل تَضَعُ الإنسان أمام متاعبٍ لا مفرَّ منها؛ فالعمل لوحده ليس بقادرٍ على تجاوز أمواج التضخُّم. والسبب أنَّ العمل يَعنِي جَنيِ النقود، بينما تُصبح النقود تصبح أرقامٍ لا قيمة لها في زمن التضخم، فالمبلغ الذي كان يشتري سيارةٍ يُصبِحُ قادراً على شراء ثلاجةٍ مثلاً، وهكذا. إضافةً إلى كلِّ ذلك، تبقى الأجور في القطاع الخاص والعام شبهَ ثابتةٍ، وإذا تمَّ رفع الأجور بشكلٍ طفيفٍ، فإنَّ ذلك لن يغطِّي آثار التضخم وانخفاض قيمة النقود. بالتالي، فإنَّ نصائح خبراء الادخار والاستثمار الشعبي التقليدي لن تُجْدِ نَفعَاً في مثل هذه الظروف، أي أنَّ الحصول على عملٍ إضافيٍّ سيؤدِّي إلى إنهاك الشخص وعدم قدرَتِهِ على تحمُّل أعباء الحياة، وفي المقابل لن يَزِيدَ دَخلُهُ بالمقدار المطلوب لتغطية هامش الغلاء الذي تسبَّبت به الضرائب، والتضخُّم، والأزمات العالمية.
فما هو الحل؟ يمكن طرح بعض الأفكار التي تُنَاسِبُ بيئة الاقتصاد العربي: * العمل بطُرُقٍ ابتكاريةٍ لا يجوز للشخص الذي يُعَانِي من الفقر، ويَجِدُ نَفسَهُ عَاجِزَاً عن تغطية مصروفه اليومي أو الشهري أن يَقتَصِرَ على العمل التقليدي، سواءً أكان وظيفةً أم عملاً فردياً؛ فالمطلوب من هذا الإنسان هو التفكير بمرونةٍ مع هوية العصر والواقع، ثم ابتكار عملٍ إضافيٍّ. فعلى سبيل المثال، يُعَانِي الكثير من المدرِّسين من انخفاض الأجور، ذلك في مقابل عمل التدريس المُرهِقِ الذي يَستَهلِكُ وقت المُدرِّس.
بينما تُمثِّلُ المعرفة التي يَحمِلُهَا المُدرِّس قيمةً علميةً لا تُقدَّرُ بثمنٍ، وهكذا عليه أن يُحاوِلَ ممارسة مهنة التدريس عن بعدٍ؛ عبر تقنيات الفيديو الحديثة مثلاً التي تسمح له بتوسيع نطاق التدريس خارج إطار دولته، أو أن يُقدِّمَ دراساتٍ ومواد علميةٍ لطلاَّبٍ من دولٍ أخرى. في هذه الحالة، يجب على الشخص أن يَختَارَ سوقاً للعمل عن بعدٍ تتمتَّع بارتفاع قيمة عُملَتِهَا، بالنظر إلى قيمة العملة الوطنية لدولة هذا المدرِّس وفق المثال. وهكذا، سيَتَضَاءَلُ هامش الغلاء حتى ينتهي تقريباً.
* طلب الأجور بمستوى دول الاغتراب من أهمِّ أسباب مُحَافَظَةِ الدول الفقيرة على توازُنِهَا المالي هو الحوالات المالية التي يُرسِلُهَا المغتربون إلى أهلهم، والسبب هو ارتفاعُ قيمة عملة دول الاغتراب من جهةٍ، وارتفاع مستوى الأجور فيها نظراً للطلب على العمالة من جهةٍ أخرى. فإذا كان الشخص غير قادرٍ على الاغتراب لأيِّ سببٍ من الأسباب، فإنَّ العمل عن بعدٍ قد يَفتَحُ المجال لطلب الأجور بمستوى دول الاغتراب، حتى وإن كان الشخص مُقِيمَاً في دولته، وهكذا، يتلاشى هامش التضخُّم ويخفُّ أثر الغلاء. * شراء المواد الأولية للسلع التي يَرتَفِعُ ثَمَنُهَا قالت العرب قديماً: “دَاوِهَا بالتي كانت هِيَ الدَّاءُ” وهي حكمةٌ في غاية الدقَّة والمرونة.
فإذا أراد الشخص أن يُكَافِحَ الغلاء، فَعَليهِ أن يَنظُرَ إلى السلع التي يَحتَاجُهَا والتي ارتفعت قِيمَتُهَا بما يَتَجَاوَزُ دَخلَهُ الأساسي والإضافي، ثم يقوم هذا الشخص بالادخار من الأصل الخام للسلعة. فعلى سبيل المثال، إذا كانت العائلة في حاجةٍ ماسَّةٍ للخبز بشكلٍ يوميِّ، فيما تَرفَعُ المخابز أسعار الرغيف بشكلٍ مستمرٍّ؛ فهنا على العائلة أن تُفكِّرَ بشراء الطحين بكمياتٍ تُغطِّي شهراً كاملاً؛ وهكذا لن يكون عليها أي ضغطٍ يوميٍّ مُرهِقٍ بتحصيل الخبز من جهةٍ، ولن تتأثَّر بغلاء الخبر لمدة شهرٍ كاملٍ من جهةٍ أخرى، كما أنَّ غلاء المواد الأولية لا يكون بنفس التسارع الذي تَرتَفِعُ فيه أسعار السلع الجاهزة. 
ادخار القيمة وليس الأرقام يمكن للشخص الذي يُعَانِي من الغلاء وانكماش قيمة دَخلِهِ، أن يُتاَبِعَ ما يُسمَّى بالأصول المالية؛ وهي عبارةٌ عن مجموعةٍ من القيم القابلة للتقييم المالي والتداول بين الناس، منها السلع كالذهب وغيرها من المعادن الثمينة، ومنها أيضاً الأوراق المالية كالأسهم. فهنا على الشخص أن يَقتَطِعَ جزءاً من دَخلِهِ -مهما كان صغيراً- حتى يَشتَرِي فيه بعضاً من الأصول المالية، وهي تتمتَّع بقيمةٍ شبه ثابتةٍ.
أي أنَّ التضخُّم لا يستطيع أن يَطَالُهَا منها مثلما يَطَالُ النقود، والسبب هو أنَّ سعر هذه الأصول يَرتَفِعُ مع انخفاض قيمة النقود، أمَّا إذا انخفضت قيمة هذه الأصول فتكون النقود قد استعادَت عافِيَتِهَا وانتهت الأزمة، لذا، فإنَّ حامل هذه الأصول يكون رابحاً في الحالتَيْن على الأغلب. فمثلاً، إذا انخفضت قيمة النقود، يستطيع الشخص بيعَ جزءٍ من الأصول التي يكون سِعرُهَا قد ارتفع؛ وهكذا يتمُّ تغطية هامش الغلاء. كما أنَّ على الشخص أن يَختَارَ بعنايةٍ الأصول التي سَيَستَخدِمُهَا كمخزنٍ للقيمة، ففي بعض الحالات قد تَحدُثُ أزماتٍ تَهبِطُ بأسعار الأصول، فيما تكون أزمة التضخُّم مُستمرَّةً، كأن يقوم الشخص بشراء أسهم شركةٍ نفطيةٍ، ثم ينخفض سعر النفط، ممَّا قد يؤثِّر سلباً في قيمة الأسهم، فيما تكون قيمة النقود في حالة انخفاضٍ أيضاً. كما يُشتَرَطُ لتطبيق هذا الحل أن يَقدِرَ الشخص على الاستغناء عن جزءٍ من دَخلِهِ الذي لا يَكفِيهِ أصلاً، أي أنَّ عليه التضحية بالكثير من السلع التي يَحتَاجُهَا مُؤقَّتاً حتى يَكنُزَ بعضاً من الأصول التي سَتَتَرَاكَم لديه بمرور الوقت، والتي سَتَمنَحُهُ القدرة على مواجهة التضخُّم في الأمد المتوسط والطويل. 
عدم الخوض في المضاربات على العملات الأجنبية تَحظُرُ أغلب الدول ذات الاقتصاديات المُتَحَفِّظَةِ تداول العملات، والسبب أنَّ وجودَ طلبٍ على أيَّة عملةٍ أجنبيةٍ يَعنِي بيع العملة الوطنية لِقَاءَ عملةٍ أخرى، وهكذا تكون العملة الوطنية تحت ضغط العرض وانخفاض القيمة مع ارتفاع هامش التضخُّم.
وإذا كان الشخص يُفكِّر بشكلٍ أنانيٍّ، ويُرِيدُ النجاة بِنَفسِهِ عبر شراء العملات الأجنبية التي تتمتَّع بقدرٍ من الثبات -مثل الدولار الأمريكي-، فإنَّ سقوط قيمة هذه العملات الأجنبية يكون حُرَّاً إذا تعرضت دُوَلِهَا لأزماتٍ محليةٍ، أو تأثَّرت بأزماتٍ عالميةٍ، أو استَعَادَت العملة الوطنية عَافِيَتِهَا؛ الأمر الذي يَجعَلُ المضارب بالعملات خاسراً لمعظم قيمة أمواله. كما أنَّ جميع عملات العالم تتعرَّض لضغوط التضخُّم، فحتى الولايات المتحدة ارتفع فيها التضخُّم مؤخَّراً بمعدلاتٍ كبيرةٍ بعد الأزمة الأوكرانية، رغم أنَّ الدولار الأمريكي قويٌّ جداً على مستوى التداول.
هذا بالإضافة، إلى أنَّ وجودَ شعورٍ جَمعِيٍّ بضرورة شراء العملات الأجنبية خوفاً من انهيار العملة الوطنية، سيؤدِّي -لا محالةٍ- إلى انهيارها، وهكذا سيَغرَقُ المركب ويَخسَرُ الجميع، أي أنَّ دعم قيمة العملة الوطنية هو واجبٌ ومصلحةٌ للمجتمع كَكُلٍّ. لكن نتساءل.. ماذا عن دور الدولة؟ كيف يمكن للدولة أن تُكَافِحَ تضخُّم الأسعار مع فرض ضرائبٍ استهلاكيةٍ جديدةٍ؟ أين الدول العربية من هذه التحديات؟ ما هو طريقها لتحقيق النمو وتنفيذ المخطَّطات الاستراتيجية في ظلِّ تشريع الضرائب على مجتمع المستهلكين؟ هذه التساؤلات وأكثر، ستكون موضوع الجزء الثالث والأخير من هذه المقالة بإذن الله.

أخبار ذات صلة

مورجان ستانلي: الركود بأمربكت أمر لا مفر منه.
أفاد محلل مورجان ستانلي (NYSE:MS) مايك ويلسون بأنه ليس مستعدا لضم صوته إلى المجموعة المتزايدة من الأصوات...
"أطباء القاهرة" تحتفل بيوم الطبيب وتكرم شباب وشيوخ المهنة
قالت الدكتورة شيرين غالب نقيب اطباء القاهرة، إن الاحتفال بيوم الطبيب من اجل تأصيل مفهوم اخلاقيات الطب...
مصر لإدارة الأصول العقارية: 711.6 مليون جنيه موارد جارية مستهدفة خلال 2022-2023
كشف محمد جلال العضو المنتدب التنفيذي والقائم بأعمال ريئس مجلس الإدارة  لشركة مصر لإدارة الأصول العقارية...
مصر لتأمينات الحياة: 10.4 مليار جنيه أقساط مستهدفة لعام 2022-2023
قال الدكتور أحمد عبد العزيز عبد السلام العضو المنتدب التنفيذي لشركة مصر لتأمينات الحياة، إن إجمالي الموارد...