
مستشار دكتور محمد جبريل إبراهيم يكتب: أيها الموت.. تحياتي
أيها الموت .. تحياتي لك حين توجعنا ، وحين توقظنا ، وتلقي بنا في مركز الحياة ، فها نحن في محط الأنظار ، وتحت المراصد .
فحين يتلاشى الجسد ، وتتلألأ الروح وسط دموع المصلين وتضرعاتهم ، وتترامي الأصوات بمحاسن صفاتنا ، نستشعر صدمات الموت .
فالقوم أخيراً وعوا لقيمة من فقدوا ، وأدركوا مكانة ميتهم الذي ترك ثغرة لم ولن تسد ، وفراعاً لم ولن يملأ أبداً .
لعلهم توهموا يوماً أن فقيدهم سيعيش طويلاً ، أو أن الموت بعيداً عنه ، أو أن أجله كان خلف الهضاب البعيدة ، ولم يكن خلف كتفيه القريبتين ، ولم يدركوا أن الموت قريباً جداً ، وعلي مرمي خطوة أو خطوتين من الخطوات التي يخطوها إلي بيته ، أو علي مسافة ساعة أو ساعتين من وقته .
حينئذ شعروا بمرارة الحياة بدون هذا الشخص الذي كان وجوده معهم يبدوا عادياً ، فيرافقهم في مسافاتهم الطويلة، وفي أيامهم العديدة بدون تصنع أو بدون تكلف .
فاستيقظوا علي حجم الكرب ، وهول المصيبة ، فكلهم ما بين مصدوم ، وما بين موهوم ، وما بين غير مصدق .
وهكذا هو الموت دائماً يوقظ المشاعر الحقيقية ، ولما لا وهو الحقيقة الوحيدة في الدنيا ، بل ويمثل أحدي نقاط الارتكاز الأساسية بعد لحظة الميلاد .
فالموت هو لحظة الختام التي يبوح بها الميت في لحظة من أهم لحظات بقائه علي الأرض ، ولعلها هي اللحظة الأخيرة التي يعبر فيها الشخص عن رحيله ، فيودع محبيه بدون حروف أو بدون كلام ، ولكنه وداع كبير، فيقول في صمت إني راحل .
كم تمنينا أن يطول كلامك ، وأن يطول شرحك ، وكم تمنينا أن يطول بقاؤك ، ومقامك بيننا ، فكم هي شحيحة الذكريات رغم طول الرفقة ، وكم هي قليلة كلماتك علي صفحات الفيس بوك .
أوجعتنا أيها الموت !!
أوجعتنا بعد أن أيقنا بأن فقيدنا لن يعود بعد قليل ، ولن يستيقظ مرة آخري ، ولن يشرق الصباح بوجهه عند السفر .
سنسافر وحيدون في الشتاء ، سنسافر بدونه ، ينقصنا دفء مشاعره ، ولطف صحبته ، وطيب عشرته ، ولكنه سفر ما أوحشه ، إذا خلا من مرافقته .