• logo ads 2

د.وليد جاب الله يكتب إدارة تحديات الاقتصاد المصري

alx adv
استمع للمقال

تُعتبر حُرية النشاط الاقتصادي هي الأصل الفطري للإنسانية، ولكن دائماً ما تأتي أزمات الاقتصاد الحُر من المُمارسات النفعية الضارة، سيما في القطاع المالي، الذي كان سبب أزمة النمور الأسيوية 1997، وأزمة ارهن العقاري لأمريكية 2008 وغيرهما من الأزمات، ودائما ما كان العلاج يتمثل في تدخل الدول بضخ استثمارات حكومية تُحفز النمو وتخلق فرص عمل، طبقاً للنموذج الكينزي، وهو ما قامت به دول النمور، وكذلك الولايات المُتحدة الأمريكية ومن سار على نهجها في أزمة الرهن العقاري، فلم تتبع تلك الدول الوصفة الليبرالية بترك السوق تُصحح نفسها، ولكنها تدخلت الدول تدخل محسوب حتى تم تجاوز تلك الأزمات.

اعلان البريد 19نوفمبر

 

وفي مصر وبعد سنوات من التردي الاقتصادي المُرتبط بالاضطرابات السياسية بعد يناير 2011 كان الحل هو النموذج الكينزي، والذي من خلاله قامت الدولة بتنفيذ استثمارات حكومية هائلة نجحت في تحقيق مُعدلات نمو مُرتفعة، وخلق فرص عمل انخض بها مؤشر البطالة إلى نحو 7%، وكان من المهم أن يكون هناك جدول زمني يتراجع فيه دور الدولة لصالح القطاع الخاص باعتبار أن تدخلها كان في سبيل العلاج وليس على سبيل الاستدامة، حيث أثبتت التجارب أن النموذج الكينزي لتدخل الدول هو أفضل علاج لأمراض الليبرالية الاقتصادية، لكنه لا يصلح للاستمرار بديلاً عنها. وكان لاستمرار توسع النشاط الاقتصادي للحكومة المصرية أن تراجعت استثمارات القطاع الخاص لتصل خلال عام 2022 إلى نحو 30% مُقابل 70% لاستثمارات الحكومة، مما شكل تشوه هيكلي دفع الحكومة لتبني مسار استهداف زيادة مُشاركة القطاع الخاص للوصول بحجم نشاطه إلى نسبة 65% خلال 3 سنوات، وهو تصحيح مسار مُرتبط بمدى زمني لأول مرة، ويُمكن حال تحققه أن يُعيد الاقتصاد للمسار السليم.

 

ولكن الأمر لا يخلوا من تحديات، أهمها أن عدد مُستثمري القطاع الخاص في مصر (سيما الكبار منهم) يُعتبر عدد مُحدود مُقارنة بعدد السكان، كما أنه لا يوجد ما يُشير إلى أن نسبة مؤثرة منهم تُخطط لزيادة حجم نشاطها، في ظل طبيعة نفسية لا تُفضل المُخاطرة لدي كثير من المصريين الذين يُقدسون الدولة المركزية (مُنذ عصور الفراعنة) ويُفضلوا العمل من خلالها، وهو الأمر الذي يحتاج إلى برامج تستهدف شرائح مُستهدفة من المُستثمرين والتواصل معها وتحفيزها وتأهيلها لزيادة نشاطها الاقتصادي ودفعها لتحل محل الدولة في أكبر نسبة من النشاط الاقتصادي، على أن تتولى تلك الشرائح الدور الأكبر لجذب مُستثمرين أجانب والشراكة معهم.

 

وحتى يُمكن القيام بذلك يتعين مُعالجة التشوه في سعر الصرف، والذي يُعد السبب الأساسي في حالة التضخم واضطراب الأسواق المحلية، والمُلاحظ أن التوجهات الحكومية تتركز على المُعالجة الأمنية للقضاء على السوق الموازي، مع تقديم حوافز للمصريين بالخارج من أجل زيادة تحويلاتهم من العملات الأجنبية في الجهاز المصرفي، وخلال نحو عامين من تلك الإجراءات لم يتحقق المُستهدف بصورة فاعلة، واستمر التضخم واضطراب الأسواق في ظل تراجع وظيفة الجنيه كوعاء للإدخار وبحث قطاع عريض من المواطنين عن التنازل عنه لصالح أوعية ادخار أخرى بما فيها حيازة الدولار وغيره من العملات الأجنبية بما يُزيد من جسامة المُشكلة.

 

 

والواقع أن الحكومة تحتاج لإعادة نظر في ذلك المسار لأن خفض الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازي يُمكن أن يتم بصورة أكثر فاعلية حال استبدال سياسة التضييق على السوق الموازي للعملة بسياسة خفض الطلب على الدولار بها، وذلك بتقديم مُبادرات بالجنيه المصري تُقدم مُنتجات، وخدمات، تتناسب مع رغبات المواطنين بصورة تدفعهم لعدم البحث عن شراء الدولار كوعاء إدخاري من السوق الموازي، بل والتنازل عنه من أجل الحصول على الجنيه الذي يُتفقه حائزه من أجل الحصول على ما تُقدمه له الحكومة من مُبادرات، فمثلاً مُبادرة تسوية الموقف التجنيدي التي تم تقديمها للمصريين بالخارج مُقابل 5000 دولار، في حال تقديمها للمصريين بالداخل بمقابل موازي بالجنيه المصر، يُمكن لها أن تمتص ما يزيد عن 500 مليار جنيه خلال فترة وجيزة يدبرها المصريين بالتنازل عن الدولار والذهب والودائع مما يُخفض من أسعارها ويُعزز من قيمة الجنيه. والتعليق المؤقت لبعض الضوابط الحكومية كاشتراط تسجيل عقود البيع بالشهر العقاري من أجل البناء في المُدن القديمة، وما يرتبط بذلك من ضوابط لإصدار التراخيص، يُمكن أن يُنشط حركة البناء بصورة تمتص السيولة التي يوجهها المصريين نحو السلع المُعمرة المُستوردة، أو رحلات الحج والعمرة، أو شراء الذهب والعملات الأجنبية، بما يُعزز من قيمة الجنيه، ويخلق فرص عمل تمتص العمالة التي ستواجه البطالة مع توجه الحكومة نحو خفض الإنفاق الاستثماري وعدم البدأ في مشروعات جديدة. أما مُبادرات جذب الدولار من الخارج فيمكن توجيهها للأجانب أكثر من المصريين مثل الترويج للسياحة العلاجية في مصر، وتنظيم حفلات عالمية كأوبرا عايدة تستهدف الأجانب، أو نهائيات لبطولات كروية بين فرق عربية تستهدف زيارة جمهورها لمصر.

 

 

وإجمالاً فإن خلق دوائر من النشاط الاقتصادي المحلي الذي لا يعتمد على المكون الأجنبي بنسبة كبيرة، يُمكن أن يكون المسار لتعزيز قيمة الجنية عبر زيادة فرص تداوله كأداة وفاء من أجل الحصول على ما يتم تقديمه من سلع وخدمات تتوافق مع رغباته حتى لو تعارضت تلك الرغبات مع التوجهات الاستراتيجية كإطار استثنائي مؤقت يقود نحو نشاط اقتصادي محلي وعاجل يُحرك الاقتصاد إلى أن يُعاود السير في مساراته الاستراتيجية.

 

بقلم دكتور وليد جاب الله
عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والاحصاء والتشريع

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار