بين ما ترسمه الخرائط الرسمية لوزارة الموارد المائية والري، وما يجري على الأرض في الأراضى الممتدة على جانبي الدلتا، يظهر مشهد مختلف تمامًا لموسم الأرز هذا العام، ففي الوقت الذي حددت فيه الوزارة المساحة المسموح بزراعتها عند 724 ألفًا و200 فدان فقط، موزعة على تسع محافظات وفق قرار وزاري منشور بالجريدة الرسمية، تكشف البيانات وتصريحات مسؤولي الري عن واقع مختلف قفز فيه حجم المساحات المزروعة فعليًا إلى ما يقارب مليونًا وثمانمائة ألف فدان.
الرقم الفارق لم يأتِ من فراغ، بل سببه ارتفاع المخالفات الزراعية إلى نحو 700 ألف فدان، وهو ما يعادل تقريبًا المساحة المرخص بها.
وقد أكد المهندس محمد صالح، رئيس مصلحة الري، أن المساحات المخالفة ارتفعت هذا الموسم إلى 700 ألف فدان، ليرتفع بذلك إجمالي ما تمت زراعته إلى 1.8 مليون فدان، مقابل 1.1 مليون فدان فقط كانت مقررة من الوزارة.
وأضاف أن الخطة الرسمية للزراعة تضمنت تخصيص 724.2 ألف فدان للأرز التقليدي، بجانب 200 ألف فدان للأرز الجاف الموفر للمياه، فضلًا عن 150 ألف فدان أخرى زُرعت في أراضٍ عالية الملوحة أو تعاني من مشكلات في التربة، وهي مناطق لا يصلح فيها سوى الأرز كخيار زراعي أساسي.
قرار الوزارة لم يقتصر على تحديد المساحة، بل وضع آلية واضحة للالتزام؛ إذ جرى تحديد المحافظات التسع المسموح لها بالزراعة ورسم الخرائط الدقيقة التي توضح مواقع الأحواض الحقلية، وأكدت الوزارة أن أي زراعة خارج تلك الحدود تعد مخالفة صريحة لقانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021، الذي يفرض غرامات مالية ومقابلًا لاستغلال المياه الزائدة على المخالفين.
وقد شدد القرار أيضًا على أن تكون هذه المساحات تحت إشراف مباشر من أجهزة الوزارة، مع إطلاق حملات يومية لرصد وإزالة المشاتل المخالفة في مهدها، في محاولة لتقليص الفجوة بين المخطط والواقع.
غير أن هذه الإجراءات، على صرامتها، لم تنجح فى السيطرة على التوسع غير الرسمي في الزراعة، المزارعون في الدلتا وجدوا في الأرز محصولًا مضمون العائد، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار داخليًا ووجود طلب متزايد من بعض الأسواق الخارجية، وفي ظل أزمة الغلاء، فضل كثير منهم المخاطرة بالغرامات على خسارة موسم يحقق لهم أرباحًا مؤكدة، خصوصًا مع ما يشاع عن صعوبة فرض الإزالة في بعض المناطق الريفية الممتدة، وهكذا تسلل الأرز من مشاتل صغيرة إلى حقول كاملة، متجاوزًا الحدود المرسومة على الخرائط.
وفي موازاة هذا المشهد، أكد الدكتور إسماعيل الرفاعي، رئيس قسم بحوث الأرز بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، أن المساحات الرسمية المزروعة تبلغ نحو مليون ومائة ألف فدان، بخلاف المساحات المخالفة التي لا يزال حصرها جاريًا، موضحًا أن الأصناف المزروعة عمرها لا يتجاوز 125 يومًا، وأن أغلبها دخل بالفعل مرحلة الحصاد، بينما الأصناف المتأخرة ما زالت في مرحلة التزهير وطرد السنابل.
ووفقًا له، فإن عمليات الحصاد الكبرى ستبدأ مع نهاية أغسطس وتمتد خلال سبتمبر، مشيرًا إلى أن إنتاجية الفدان هذا العام متوقعة بين 3.5 و4 أطنان، وهو ما يعكس موسمًا مبشرًا بوفرة في المحصول.
وأشار الرفاعي إلى أن المحافظات الرئيسية في الحصاد تشمل كفر الشيخ والغربية والبحيرة والشرقية والدقهلية، إلى جانب مناطق أخرى مثل الإسكندرية ودمياط والإسماعيلية وبورسعيد، حيث تفرض طبيعة الأراضي المالحة في هذه المحافظات الاعتماد على زراعة الأرز كخيار زراعي شبه وحيد.
كما شدد على أن المياه متوفرة بشكل كامل للمساحات المصرح بها، في حين أن المعاناة من نقص الري تقتصر على المساحات المخالفة، التي لم تُخصص لها حصة مائية أصلًا ضمن خطط الدولة.
وبين ما تراه وزارة الري من خطورة التوسع غير المشروع على الخريطة المائية، وما يرصده معهد بحوث المحاصيل من مؤشرات إنتاج واعدة، يبقى الموسم الحالي للأرز ساحة جدل مفتوحة بين معادلة الأمن الغذائي وحسابات إدارة المياه، فالمزارعون يطاردون ربحًا سريعًا، والدولة تحاول ضبط الموارد المائية، والخبراء ينظرون إلى النتائج بأرقام الإنتاجية، لتظل القصة في النهاية نموذجًا متكررًا لصدام دائم بين قرارات الوزارات وواقع الحقول الذي يفرض منطقه الخاص.
محصول الأرز