تحقيق شيرين نوار
تسعى الحكومة، ممثلة في وزارتي البترول والكهرباء، إلى تنويع مصادر الطاقة لسد العجز في إنتاج الغاز الطبيعي والبترول، مع تزايد الاستهلاك بشكل مستمر.
ويأتي ذلك من خلال تشجيع الشركات الأجنبية على زيادة إنتاجها وسداد مستحقاتها، لتحفيزها على توسيع عمليات البحث والتنقيب والاستكشاف من ناحية، إلى جانب البحث عن مصادر أخرى لتغطية العجز ، من خلال استيراد شحنات غاز إضافية من الخارج.
ولتخفيف الأعباء المالية، تسعى الحكومة إلى الحصول على عروض بأسعار تنافسية، ويعتبر الغاز القبرصي خيارًا مناسبًا من حيث السعر، نظرًا للقرب الجغرافي من مصر، خاصة مع توافر البنية التحتية المصرية من خطوط أنابيب ومحطات إسالة جاهزة لاستقبال الغاز القبرصي، ويتوقف سعر الغاز على طريقة وتكاليف نقله.
المسافة والبنية التحتية عاملان حاسمان
ويقول الدكتور أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، إن تفضيل استيراد الغاز من دولة دون غيرها يتوقف على العديد من العوامل، منها: المسافة، وتوافر البنية التحتية الجاهزة لاستقبال الغاز، حيث إننا نستورد مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي عبر خطوط أنابيب ومحطات إسالة مصرية، وبالتالي فإننا نحصل عليه بسعر مناسب.
وينطبق هذا الطرح على الغاز القبرصي أيضًا، حيث يعتمد سعر الغاز على مسافة النقل إلى الأسواق المستهلكة ، فيما يكون الغاز الإسرائيلي أرخص إذا تم نقله عبر خطوط الأنابيب، بينما قد يكون الغاز القبرصي أرخص إذا تم نقله عبر سفن الغاز المسال.
وأوضح كمال أن العلاقات بين الدول، ومدى التعاون والمصالح المشتركة تحدد اختيار السعر الأنسب، وفقًا لميزانية كل دولة، إذ تعتبر الدول المجاورة الأنسب لاستيراد الغاز لتلبية الطلب المحلي، نظرًا لانخفاض تكاليف النقل.
وأشار إلى أن مصر تمتلك بنية تحتية قوية من خطوط أنابيب ومحطات إسالة، تمكّنها من استيراد الغاز من الدول المجاورة بأسعار مناسبة، نظرًا لأنها في موضع قوة، مشيرًا إلى أن مصر تستورد مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي بسعر مناسب لتوافر شروط الجوار وخطوط النقل والسعر المناسب أيضًا.
الغاز القبرصي بديل استراتيجي
ومتفقًا مع الرأي السابق قال المهندس أحمد أبو جنيدي، خبير الطاقة، إن الغاز الإسرائيلي والقبرصي يتوافقان في العديد من العوامل، منها: القرب المكاني، والبنية التحتية الجاهزة لاستقباله في مصر من كلا الدولتين.
وأوضح أن تجربة الغاز الإسرائيلي ناجحة، والمفاضلة تتوقف على السعر، الذي تقدمه كل دولة.
وأشار إلى أن الغاز القبرصي قد يكون البديل الأمثل في حالة حدوث أي ما يدعو لتوقف الغاز الإسرائيلي، وخاصة في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي على فلسطين، وقطاع غزة، وعدم استجابة تل أبيب لمطالب جميع دول العالم، وعلى رأسها مصر، بالتهدئة.
البنية التحتية المصرية تمنحها ميزة تنافسية
وأشار أبو جنيدي إلى أنه في حالة حدوث أي توترات من الجانب الإسرائيلي، فلن يستطيع الضغط على مصر بوقف إمدادها بالغاز، وسيكون الغاز القبرصي هو البديل الأمثل والأصلح للمرحلة المقبلة، خاصة مع وجود روابط اقتصادية قوية مع اليونان.
علاوة على ذلك، هناك مشروع للربط الكهربائي بين مصر واليونان، وستكون مصر مصدرًا استراتيجيًا وإقليميًا لتصدير الطاقة في المنطقة.
يأتي هذا فيما اتجهت مصر لتعزيز التعاون مع الجانب القبرصي ضمن مسار استراتيجي يستهدف استيراد الغاز المستخرج من الحقول القبرصية وتسييله في المحطات المصرية، سواء بهدف إعادة تصديره للأسواق الأوروبية أو لتغطية جزء من الطلب المحلي المتزايد.
فرص لوجستية وفنية في مصر
ولفت أبو جنيدي أنه من الممكن الاستفادة من الإمكانيات اللوجيستية والفنية لمصر من محطات إسالة والبنية التحتية الممتدة على ساحل البحر المتوسط، من خلال عقد الاتفاقيات بين مصر وقبرص وكبرى الشركات العالمية التي تقوم بعمليات البحث والتنقيب والاستكشاف لحقول الغاز وتطويرها في منطقة شرق المتوسط، والتي تقدر احتياطياتها بأكثر من 3 تريليونات قدم مكعب من الغاز.
تعزيز الدور المصري في تجارة الغاز الإقليمية
وأشار أبو جنيدي إلى أن ربط حقول الغاز بالبنية التحتية المصرية لنقله إلى محطات المعالجة، ثم محطات الإسالة في دمياط، هو ما يعزز موقف مصر في التحكم في مسار تجارة الغاز بالمنطقة، موضحًا أنه نظرًا لعدم توافر البنية التحتية القبرصية، يمكن استغلال البنية التحتية المصرية، وبالتالي تعزيز التعاون المصري القبرصي في قطاع الطاقة.
وقال أبو جنيدي إن مصر وقبرص وقعتا اتفاقيات لإعادة تصدير وتسويق الغاز القبرصي، في خطوة حيوية لدفع جهود الحكومة نحو التحول إلى مركز إقليمي لتصدير الطاقة، خاصة في ظل تراجع إنتاجها المحلي خلال العامين الماضيين.
وأوضح أنه بموجب الاتفاقيات، يتم نقل إنتاج حقل الغاز "كرونوس" الواقع أمام الساحل الجنوبي الغربي في قبرص، وحقل "أفروديت" جنوب شرق الجزيرة، إلى منشآت الإسالة المصرية في إدكو ودمياط قبل تصديره كغاز طبيعي مسال.
ولفت أبو جنيدي إلى أن حقل "أفروديت" تم اكتشافه في 2011، فيما تقدر احتياطياته بـ4 تريليونات قدم مكعب من الغاز الطبيعي، لكنه لم يدخل مرحلة التطوير حتى الآن.
السعر يخضع لتقلبات السوق والاتفاقيات
في الوقت نفسه قال المهندس صلاح حافظ، خبير الطاقة، إنه لا توجد إجابة قاطعة على أيّهما أرخص، الغاز القبرصي أم الإسرائيلي، حيث إن أسعار الغاز تتأثر بعدة عوامل وتتغير باستمرار.
ومع ذلك، يمكن القول بشكل عام إن أسعار الغاز تعتمد على عدة عوامل، منها تكاليف الاستخراج والنقل، والطلب والعرض، والاتفاقيات التجارية بين الدول، وسياسات الطاقة لكل دولة.
ولفت إلى أنه يمكن أن تكون تكلفة الغاز القبرصي أو الإسرائيلي أرخص أو أغلى من الأخرى، وفقًا للعديد من العوامل؛ فقد يكون الغاز الإسرائيلي أرخص إذا تم استخراجه من حقول قريبة من الأسواق المستهلكة، أو إذا كانت هناك اتفاقيات تجارية تفضّل استيراد الغاز من إسرائيل.
وينطبق الأمر نفسه على الغاز القبرصي، الذي قد يكون أرخص إذا تم استخراجه من حقول قريبة من قبرص، أو إذا كانت هناك اتفاقيات تفضّل استيراد الغاز من قبرص.
وأدى تراجع الإنتاج إلى تحوّل مصر إلى مستورد للغاز، حيث ضغطت زيادة طلب الكهرباء محليًا على الموارد المتاحة.
وفي يونيو 2024، هبط إنتاج الغاز في مصر إلى أدنى مستوى له منذ عام 2017، مما دفع الحكومة إلى زيادة وارداتها من الغاز الطبيعي المسال إلى أعلى مستوياتها منذ نحو 6 سنوات تقريبًا.
شركة الخدمات الملاحية والبترولية – ماريديف