كيف يؤثر تحويل 3 ملايين فدان ذرة إلى "سيلاج" على إنتاج الزيوت؟
مي أبو المجد
07 سبتمبر 2025آخر تحديث:07 سبتمبر 2025
8 أشهر
شاركها
رغم أن الذرة من أهم المحاصيل الاستراتيجية في العالم، حيث تمثل مادة أساسية في صناعة الغذاء والزيوت والأعلاف، إلا أن وضعها في مصر يبدو مختلفًا، فبينما تعاني الدولة من استيراد كميات ضخمة من الذرة من الخارج سنويًا لتلبية احتياجاتها من الغذاء وصناعة الأعلاف، يتحول أغلب إنتاجنا المحلي من هذا المحصول الحيوي إلى سيلاج يستخدم كعلف أخضر للماشية والأبقار والجاموس والأغنام.
ويكشف الدكتور محمد فتحي سالم، أستاذ الزراعة الحيوية بجامعة السادات بالمنوفية، أن مصر وللعام الرابع عشر على التوالي لا تنتج الكميات الكافية من ذرة الحبوب، بعدما فقد المحصول دوره الأساسي كمصدر للحبوب وتحول معظمه إلى علف حيواني، مشرًا إلى أن غالبية المزارعين يقومون بفرم الذرة كاملة، سواء الأعواد أو الكيزان، لاستخدامها كسيلاج لتغذية المواشي.
%90 من المساحات المزروعة بالذرة تُخصص للأعلاف الحيوانية
وأكد سالم أن هذا الوضع انعكس سلبًا على إنتاجية مصر من حبوب الذرة، واضطر الدولة إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد من الخارج، خاصة في ظل غياب الأصناف المخصصة لإنتاج الحبوب، مضيفًا أن نحو 90% من المساحات المزروعة بالذرة توجه حاليًا لإنتاج الأعلاف الحيوانية فقط.
وأوضح الدكتور محمد فتحي سالم أن مصر تفتقر في الوقت الراهن إلى أصناف مخصصة من الذرة تصلح لاستخراج الزيوت، وهو ما يحرمها من الاستفادة من الحبوب في هذا المجال، وبسبب غياب هذه الأصناف الزيتية، يلجأ المزارعون إلى فرم المحصول بالكامل واستخدامه كسيلاج أو علف أخضر لتغذية الأبقار والجاموس والأغنام والماعز.
وأشار إلى أن الأمر لم يعد كما كان في الماضي، حين كان الفلاحون يعتمدون على الذرة في إعداد أعلاف الدواجن، أما اليوم فقد اتجهوا إلى شراء العلف الجاهز لكونه أسهل وأوفر، الأمر الذي انعكس سلبًا على متوسط إنتاجية الذرة في مصر وأدى إلى تراجعها بشكل واضح.
رفع سعر توريد الذرة الحل لتحقيق التوازن بين الحبوب والأعلاف
وعن سبل تحقيق التوازن بين استخدام محصول الذرة في الإنتاج الغذائي والداجنى والإنتاج الحيواني، أكد أن الأمر يتطلب في المقام الأول وضع حوافز تشجيعية للمزارعين، تبدأ برفع سعر توريد الذرة بوصفه محصولًا تعاقديًا، فإذا ضمنت الدولة للمزارع سعرًا مجزيًا للتوريد، فسيسعى تلقائيًا إلى رفع إنتاجيته وتسليم المحصول للحكومة.
وأضاف أن الوضع الحالي يدفع المزارع إلى الاتجاه الأسهل والأكثر ربحية بالنسبة له، وهو فرم الذرة وتحويلها إلى علف حيواني، خاصة أن سعر طن العلف الحيواني يصل إلى 14 ألف جنيه، في حين لا يتجاوز سعر طن السيلاج 3500 جنيه، وهو ما يجعل الخيار الاقتصادي الأقرب للفلاح هو تحويل المحصول إلى علف بدلاً من تسويقه كحبوب.
3 ملايين فدان ذرة سنويًا.. والحبوب لا تتجاوز 300 ألف فدان فقط
وأشار إلى أن المساحة المزروعة بالذرة في مصر تبلغ نحو 3 ملايين فدان سنويًا، غير أن ما يقرب من 2.6 إلى 2.7 مليون فدان منها يُزرع لإنتاج السيلاج، في حين لا تتجاوز المساحات المخصصة لإنتاج ذرة الحبوب 250 إلى 300 ألف فدان على الأكثر.
وأضاف أن الكميات المنتجة من الحبوب تزرع عادة لأغراض محددة، أبرزها تلبية احتياجات مزارع الدواجن، بينما تفتقر مصر حتى الآن إلى رؤية واضحة تضمن توفير ذرة موجهة لهذا الغرض مع تقديم حوافز تشجيعية للمزارعين، مؤكدًا أن الدولة ما زالت تعتمد على استيراد الذرة من الخارج، تمامًا كما هو الحال مع القمح، لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي.
هيمنة الشركات الخاصة على التقاوي ترفع أسعار زراعة الذرة وتثقل كاهل الفلاحين
وعن أبرز التحديات التي تواجه زراعة الذرة في مصر، أوضح الدكتور محمد فتحي سالم أن سوق التقاوي يخضع بدرجة كبيرة لسيطرة الشركات الخاصة، في حين لا توفر الحكومة سوى ما بين 10 إلى 15% فقط من احتياجات المزارعين، مشيرًا إلى أن هذا الوضع أدى إلى ارتفاع أسعار تقاوي الذرة بشكل كبير مقارنة ببقية المحاصيل الأخرى، مما يمثل عبئًا إضافيًا على الفلاحين ويحد من قدرتهم على التوسع في زراعة المحصول.
نظم رباعى الكربون خطة علمية لزيادة إنتاجية الذرة وتحقيق الاكتفاء
أكد الدكتور محمد فتحي سالم أن مصر لا تمتلك حتى الآن أصنافًا مزدوجة الإنتاج من الذرة تتيح الحصول على الحبوب وفي الوقت نفسه الاستفادة من العود كسيلاج، موضحًا أنه ابتكر أسلوبًا جديدًا للزراعة يقوم على ما يُعرف بالزراعة الثلاثية، حيث ينتج عود الذرة ثلاثة كيزان يمكن الاستفادة من حبوبها، بينما يُستخدم باقي المحصول في صورة سيلاج لتوفير علف للماشية.
وأضاف أن هذا الابتكار يفتح الباب أمام التوسع في إنتاج الذرة لتحقيق عائد مزدوج، لكنه يحتاج إلى خطة واضحة من وزارة الزراعة لتبني هذا النهج وتطويره بما يسمح بالانتقال إلى نظم رباعى الكربون بدلًا من الثلاثية، وهو ما سيضاعف إنتاجية المحصول ويوفر ذرة للحبوب وأخرى للسيلاج معًا، مشيرًا إلى أن ما تحقق حتى الآن يُعد إنجازًا كبيرًا، غير أن الدولة لم تدرك بعد القيمة الحقيقية لهذه التجربة وأثرها على مستقبل الأمن الغذائي.