في وقتٍ كانت فيه السحابة السوداء تملأ سماء دلتا مصر كل خريف، بات المشهد اليوم مختلفًا؛ فالدخان الذي كان يرمز لموسم الحرق الجائر لقش الأرز، تحول إلى حركة نشطة في الحقول ومواقع التجميع والمصانع، بين أيدي المزارعين وشاحنات الجمع، وبين مكابس القش ومصانع الأعلاف والأسمدة.
ويؤكد خبراء الزراعة أن قش الأرز لم يعد مجرد بقايا لمحصول موسمي، بل أصبح “ذهبًا أخضر” يفتح آفاقًا واعدة في مجالات التصنيع الزراعي والطاقة الحيوية وتحسين خصوبة التربة.
ويقول الدكتور علاء عزوز، رئيس قطاع الإرشاد الزراعي بوزارة الزراعة، إن قش الأرز يمثل موردًا اقتصاديًا ذا أولوية في سياسات الدولة لإدارة المتبقيات الزراعية، إذ تسعى الوزارة لتحويله من عبء بيئي إلى عنصر إنتاجي يدخل في منظومات صناعية متعددة ذات مردود اقتصادي مرتفع.
ويضيف أن القش أصبح يُستخدم اليوم في إنتاج الأعلاف غير التقليدية، وصناعة الأخشاب والورق والطاقة الحيوية، فضلًا عن إنتاج السماد العضوي، وهو ما يعزز التكامل بين البعدين البيئي والزراعي في إدارة المخلفات.
90% من الأرز تم حصاده.. وأكثر من 800 ألف طن قش تم جمعها
وفي سياق متصل، تتواصل في عدد من المحافظات المصرية أعمال جمع محصول الأرز للعام الحالي، بالتوازي مع جهود جمع وكبس القش استعدادًا لاستخدامه في عمليات التصنيع.
وكشفت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي عن تجاوز كميات قش الأرز التي تم جمعها وكبسها حاجز 800 ألف طن حتى الآن، بعد الانتهاء من حصاد أكثر من 90% من المحصول في سبع محافظات رئيسية تشمل الشرقية والبحيرة والقليوبية وكفر الشيخ والدقهلية والغربية ودمياط.
وأكد وزير الزراعة أن الوزارة تواصل جهودها بالتنسيق مع وزارتي البيئة والتنمية المحلية في متابعة أعمال الجمع وإعادة التدوير، بما يمنع عمليات الحرق ويحد من الأضرار البيئية، موضحا أن هذه الجهود تتكامل مع برامج توعية المزارعين بفوائد تدوير القش بيئيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
وأشار الوزير إلى أن الوزارة حرصت منذ بداية الموسم على دعم المزارعين من خلال توفير خدمات الزراعة الآلية بأسعار تنافسية، تشمل ماكينات الحصاد والدرس والمكابس والفرم، لتسهيل عمليات الجمع والتخزين، وتشجيع المزارعين على تبني الأساليب الحديثة والابتعاد عن الطرق التقليدية التي تتسبب في خسائر اقتصادية وبيئية.
وأضاف أن هذه الجهود أسهمت في تسريع عمليات الحصاد والدرس بجودة عالية، كما أتاحت للمزارعين الاستفادة من القش بعد كبسه وتحويله إلى بالات تستخدم في صناعات الأعلاف والأسمدة، ما يمثل بديلاً عمليًا ومربحًا عن الحرق الذي كان يسبب السحابة السوداء.
من المزرعة إلى المصنع.. عائد بيئي واقتصادي متكامل
ووفقًا لتقرير وزارة الزراعة، فقد تم كبس نحو 819,982 طنًا من القش، وفرم 414,585 طنًا، وتشوين 577,145 طنًا، بمحافظات الدلتا السبع، كما أظهرت البيانات إنتاج نحو 1700 طن من الأسمدة العضوية من إعادة تدوير القش، وهو ما يؤكد جدواه الاقتصادية كمدخل إنتاجي يسهم في رفع إنتاجية المحاصيل وتحسين خصائص التربة الزراعية.
وفي جانب التوعية، نفذت مديريات الزراعة بالتعاون مع جهاز شؤون البيئة أكثر من 2049 ندوة إرشادية في المحافظات، لتعريف المزارعين بطرق الإدارة الآمنة للمخلفات الزراعية، وأساليب الاستفادة منها ضمن البروتوكول الموقع بين وزارتي الزراعة والبيئة.