في خطوة نوعية تستهدف دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز موارد الدولة من العملات الأجنبية، أطلق البنك المركزي المصري ووزارتا الخارجية والهجرة مبادرة «افتح حسابك في مصر» بالتعاون مع البنك الأهلي المصري وبنك مصر، التي تتيح للمصريين بالخارج فتح حسابات بنكية بسهولة من خلال السفارات والقنصليات المصرية حول العالم.
ويرى خبراء مصرفيون أن المبادرة تمثل تحولًا استراتيجيًا في جهود الدولة نحو تعزيز الشمول المالي ودمج العاملين بالخارج في المنظومة المصرفية الرسمية، بما يسهم في جذب المزيد من التحويلات عبر القنوات القانونية وتقليص الاعتماد على السوق الموازية، كما أنها تعمل على تخفيض تكلفة تحويل الأموال إلى مصر إلى أدنى حد ممكن.
أحمد مجدي منصور: تسهم في تطوير خدمات مصرفية مبتكرة
أشاد الدكتور أحمد مجدي منصور، الخبير المصرفي، بمبادرة «افتح حسابك في مصر»، واصفًا إياها بأنها خطوة استراتيجية ومحورية تأتي في توقيت مثالي لدعم الاقتصاد المصري.
وأوضح منصور أن هذه المبادرة لا تقتصر على هدف واحد، بل تحقق مجموعة من الأهداف المتكاملة، أبرزها تعزيز الشمول المالي من خلال توسيع قاعدة عملاء القطاع المصرفي لتشمل شريحة المصريين العاملين بالخارج، ودمجهم بشكل كامل في المنظومة المالية الرسمية للدولة.
كما تسهم في جذب تحويلات المصريين بالخارج، حيث تمثل قناة رسمية وآمنة لجذب تحويلات الأموال، وهو ما يسهم بشكل مباشر في زيادة موارد الدولة من العملة الأجنبية ويدعم استقرار الاقتصاد الوطني.
فضلًا عن تسهيل الخدمات المصرفية من خلال إزالة العوائق أمام المصريين بالخارج وتيسير حصولهم على مختلف الخدمات والمنتجات المصرفية بسهولة وأمان دون الحاجة إلى التواجد شخصيًا في مصر، بالإضافة إلى خفض تكلفة التحويلات من خلال توفير قنوات مباشرة تسهم في تقليل التكاليف المرتبطة بتحويل الأموال من الخارج.
وأشار منصور إلى أن آلية عمل المبادرة تتميز بالبساطة والفعالية، حيث يمكن للمصريين بالخارج فتح حساباتهم البنكية من خلال البعثات الدبلوماسية والقنصلية المصرية، وهي خطوة ذكية تسهّل الإجراءات وتضمن موثوقيتها، إذ تقوم السفارة أو القنصلية بالتصديق على المستندات وإرسالها بشكل آمن إلى البنك المعني في مصر، الذي يفتح الحساب خلال أيام عمل قليلة.
وأضاف أن المبادرة تقدم باقة من المزايا الجذابة، أبرزها إصدار بطاقات مصرفية تمكن العميل من استخدام الحساب بسهولة، والأهم من ذلك هو الاشتراك التلقائي في خدمات الإنترنت والموبايل البنكي، مما يتيح للعملاء إدارة حساباتهم وشراء شهادات وودائع بالدولار الأمريكي والاستثمار في صناديق الاستثمار وإجراء التحويلات المالية بكل سهولة ومن أي مكان في العالم.
ويرى منصور أن المبادرة ستحقق تأثيرات إيجابية ملموسة على المدى القصير والطويل، لعل أبرزها زيادة الثقة في الجهاز المصرفي، حيث ستعزز هذه الخطوة ثقة المصريين بالخارج في الجهاز المصرفي المصري وتشجعهم على توجيه مدخراتهم نحو القنوات الرسمية.
كما أنها تدعم الاقتصاد الوطني من خلال زيادة تدفق التحويلات عبر القنوات الرسمية، مما سيدعم استقرار سعر الصرف ويرفع من احتياطيات النقد الأجنبي.
وتوقع الخبير المصرفي أن تسهم في تطوير منتجات مصرفية مبتكرة، حيث تفتح هذه المبادرة الباب أمام البنوك لابتكار منتجات مصرفية جديدة ومخصصة لتلبية احتياجات المصريين بالخارج، مثل صناديق استثمار مخصصة أو حسابات ادخار بعوائد تنافسية بالدولار.
وأضاف أنها تحد من السوق الموازية من خلال توفير قناة رسمية سهلة وآمنة، ما سيسهم بشكل كبير في تقليل الاعتماد على التحويلات غير الرسمية والسوق الموازية، فضلًا عن دعم التحول الرقمي، حيث تشجع المبادرة على استخدام الخدمات المصرفية الرقمية، وهو ما يتماشى مع استراتيجية الدولة الشاملة للتحول الرقمي وتحديث البنية التحتية المالية.
أحمد أبو الخير: تسمح للمصريين بالخارج إدارة مدخراتهم بسهولة
قال أحمد أبو الخير، الخبير المصرفي، إن المبادرة تأتي كأحد الأدوات التنفيذية التي تستهدف تعزيز التحويلات الرسمية وتوسيع قاعدة الشمول المالي وربط الجاليات المصرية بالخارج بالقطاع المصرفي الوطني بشكل أكثر كفاءة ومرونة.
وأضاف أنها تعمل على توجيه رسالة واضحة وبالغة الأهمية إلى المصريين العاملين بالخارج، مفادها أن الدولة تفتح أبواب النظام المصرفي أمامهم وتسهل اندماجهم المالي مع وطنهم، فالمبادرة لا تقتصر على مجرد فتح حساب، بل تعبّر عن رغبة الدولة في بناء علاقة مالية مستدامة بين المصري بالخارج والبنوك المحلية، بما يتيح له إدارة مدخراته وتحويل أمواله والاستفادة من الخدمات المصرفية والاستثمارية في بلده بسهولة وأمان.
ولفت إلى أنها تمثل خطوة رمزية تؤكد أن المصري في الخارج شريك أساسي في دعم الاقتصاد الوطني، وليس مجرد مصدر للتحويلات المالية فقط، كما تعتبر تحركًا استراتيجيًا للبنوك المصرية لاستعادة جزء من تحويلات العاملين بالخارج التي كانت تتم عبر قنوات غير رسمية أو من خلال السوق الموازية.
وأشار إلى أنه على مدار السنوات الماضية، سعت البنوك إلى جذب هذه التحويلات عبر أدوات تقليدية مثل الشهادات الادخارية بالدولار أو أسعار الفائدة المميزة، لكن العقبة الأكبر كانت في صعوبة الإجراءات المصرفية للمغتربين، ومن هنا تمثل مبادرة «افتح حسابك في مصر» نقلة نوعية، لأنها تعالج جوهر المشكلة البيروقراطية وصعوبة الوصول للخدمة عبر تمكين المصري من التعامل البنكي من خلال السفارة أو القنصلية في بلد الإقامة، ما يعيد الثقة في القنوات الرسمية ويجعل التعامل البنكي أكثر بساطة وموثوقية.
وتوقع أبو الخير أن تسهم المبادرة في زيادة حجم تحويلات المصريين بالخارج خلال العام المالي المقبل بنسبة تتراوح بين 10% و15% وفق تقديرات أولية، خاصة إذا تم دعمها بحوافز إضافية من البنوك مثل أسعار فائدة تفضيلية على الحسابات بالعملات الأجنبية أو إعفاء من رسوم التحويلات، فسهولة فتح الحسابات ستشجع مئات الآلاف من المصريين غير المتعاملين حاليًا مع البنوك المصرية على إدخال أموالهم عبر القنوات الرسمية، مما ينعكس إيجابًا على احتياطي النقد الأجنبي ويسهم في تحسين ميزان المدفوعات وتعزيز استقرار سوق الصرف.
كما يمكن أن تتضاعف التحويلات تدريجيًا مع توسع المبادرة لتشمل جميع السفارات والقنصليات المصرية حول العالم، خاصة في الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية التي تتركز بها أعداد كبيرة من الجاليات المصرية.
ومن أبرز الأهداف غير المباشرة للمبادرة تقليص حجم التحويلات عبر السوق الموازية، التي كانت تشهد رواجًا في فترات تقلب سعر الصرف، فإتاحة خدمات مصرفية سهلة وموثوقة بالخارج ستغلق تدريجيًا الفجوة التي كانت تستغلها القنوات غير الرسمية لجذب المصريين الباحثين عن السرعة أو سهولة الإجراءات. كما أن ربط الخدمة بالسفارات والقنصليات يضيف عنصر الثقة المؤسسية، وهو ما سيشجع المصريين على التعامل عبر القنوات القانونية التي تضمن لهم الأمان المالي وتوفر للدولة بيانات دقيقة حول التدفقات النقدية الخارجية، مما يعزز من قدرتها على رسم سياسات نقدية أكثر استقرارًا.
وتترجم المبادرة عمليًا أهداف الشمول المالي من خلال إدماج فئة واسعة من المصريين غير المتعاملين مع البنوك، وخاصة المغتربين، داخل المنظومة المصرفية الرسمية، كما تتكامل مع جهود البنك المركزي في توسيع الخدمات الرقمية مثل: المحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع عبر الإنترنت، ومن المرجح أن تتطور المبادرة في مراحلها القادمة لتشمل منصة رقمية متكاملة تتيح فتح الحسابات وإدارة المعاملات عبر الإنترنت باستخدام التحقق الإلكتروني من الهوية بما يتماشى مع المعايير المصرفية العالمية ويعزز كفاءة الخدمة.
وذكر أنها تمثل خطوة استراتيجية ذكية تعكس رؤية الدولة في تعظيم دور المصريين بالخارج كرافد أساسي للاقتصاد الوطني، من خلال توفير بيئة مصرفية آمنة وسهلة الوصول، وإذا ما تم دعمها بحوافز مالية وتكنولوجية مناسبة، فإنها قد تحدث نقلة نوعية في حجم التحويلات الرسمية وتسهم في تحقيق أحد أهداف مصر 2030 نحو اقتصاد أكثر شمولًا ورقمنة واستدامة.
هشام إبراهيم: تزيد من تدفقات النقد الأجنبي وموارده
ويؤكد الدكتور هشام إبراهيم، الخبير المصرفي، أن إطلاق البنك المركزي المصري، بالتعاون مع وزارتي الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، وبنكي مصر والأهلي المصري، لمبادرة تتيح للمصريين في الخارج فتح حسابات مصرفية داخل البلاد عبر السفارات والقنصليات باستخدام بطاقة الرقم القومي أو جواز السفر فقط، يمثل خطوة مهمة في توقيت بالغ الأهمية لدعم الاقتصاد وتعزيز موارد الدولة من النقد الأجنبي، وزيادة التحويلات عبر القنوات الشرعية.
وأشار إبراهيم إلى أن هذه المبادرة تهدف إلى زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، والتي تجاوزت نحو 26.6 مليار دولار منذ مطلع عام 2025 بنسبة ارتفاع بلغت 47%.
وأضاف إبراهيم أن فتح الحسابات يسهم في زيادة المعروض من العملة الصعبة داخل النظام المصرفي الرسمي، بما يدعم استقرار سعر الصرف ويرفع احتياطيات النقد الأجنبي، إلى جانب تعزيز الخدمات المالية الرقمية للعاملين في الخارج، وتشجيعهم على توجيه مدخراتهم إلى القنوات الرسمية، بما ينعكس إيجابًا على معدلات الشمول المالي في مصر.
كما تمنح هذه الخطوة البنوك المحلية فرصة لتوسيع قاعدة عملائها، مما يزيد من معدلات الإقراض والودائع في القطاع المصرفي.
واستطرد هشام إبراهيم موضحًا أن السنوات الماضية شهدت إطلاق العديد من المبادرات من قبل البنك المركزي للمصريين العاملين في الخارج، مما ساهم بدور كبير في دعم الموارد الدولارية في ظل ظروف كانت غاية في التعقيد والصعوبة، إلا أنه بفضل هذا الدعم تم احتواء نقص التدفقات الدولارية عبر مبادرات تلبي احتياجات المصريين بالخارج، ومنها مبادرة تسوية الموقف التجنيدي، والمبادرات الخاصة بطرح الأراضي والوحدات السكنية، ومبادرة السيارات، ومبادرة «مزرعتك في مصر» بالتعاون مع شركة الريف المصري، التي توفر فرصًا للمصريين بالخارج للحصول على أراضٍ زراعية في المناطق الجديدة والاستثمار في المشروعات المصاحبة للنشاط الزراعي.
وأضاف أن جميع مبادرات البنك المركزي تهدف في المقام الأول إلى تشجيع تحويلات المصريين بالخارج إلى البنوك المصرية، وتعزيز الاستثمارات الأجنبية، وزيادة الودائع البنكية من خلال طرح باقة متنوعة من الأوعية الادخارية والخدمات المصرفية، مما يسهم في تحقيق نمو اقتصادي ملموس.
تامر يوسف: تساعد على جذب مزيد من الاستثمارات الخارجية
ومن خلاله قال تامر يوسف، مدير إدارة الخزانة والمعاملات الدولية في أحد البنوك الخاصة، إن مبادرة «افتح حسابك» تهدف إلى دمج أبناء الوطن في شريان الاقتصاد المصري، من خلال جذب مزيد من الاستثمارات والتحويلات البنكية، مما يسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وأضاف أن زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى الجهاز المصرفي، والحد من تداولها خارجه، يسهم في ضبط ميزان المدفوعات والحد من الضغط على سعر صرف الجنيه.
وأشار إلى أن زيادة التحويلات تسهم كذلك في تنشيط التبادل التجاري من خلال زيادة الطلب على السلع والخدمات، مما ينعكس إيجابًا على معدلات النمو الاقتصادي.