الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
الهيئة العامة للرقابة المالية الهيئة العامة للرقابة المالية

الرقابة الوقائية في البورصة المصرية.. درع الحماية ضد التلاعب وهروب السيولة

اتفق خبراء سوق المال على أن الرقابة الوقائية في سوق المال المصري تعد إحدى الركائز الأساسية لضمان الشفافية والاستقرار، وتشرف عليها بشكل رئيسي الهيئة العامة للرقابة المالية. وتهدف هذه الرقابة إلى منع المخاطر والانتهاكات قبل وقوعها من خلال آليات محددة، ناصحين المستثمرين بتنويع استثماراتهم وتجنب الشركات غير المرخصة لتقليل المخاطر.

قال محمود ياسين، خبير الاقتصاد وأسواق المال، إن الرقابة الوقائية في سوق المال المصري تعد إحدى الركائز الأساسية لضمان الشفافية والاستقرار، وتشرف عليها بشكل رئيسي الهيئة العامة للرقابة المالية، وتهدف هذه الرقابة إلى منع المخاطر والانتهاكات قبل وقوعها من خلال آليات مثل الإفصاح الإلزامي عن المعلومات المالية، وتقييم المخاطر، وفرض قواعد الحوكمة على الشركات والمؤسسات المالية، كما تشمل رقابة التداول في البورصة المصرية التي تركز على التزام الأطراف بالتشريعات للحفاظ على نزاهة السوق.

ولفت إلى أنه بالرغم من الجهود المبذولة، يشعر بعض المستثمرين بضعف أو "اختفاء" الرقابة في بعض الحالات، وهذا ليس اختفاءً كاملًا، بل فجوات ناتجة عن تحديات هيكلية وتشغيلية.

ويرى أن من أبرز الأسباب لذلك ضعف الرقابة الداخلية في الشركات، إذ تفتقر كثير من الشركات إلى أنظمة محاسبية متقدمة، وتعتمد على برامج بسيطة مثل Excel بدلًا من أنظمة متطورة تقنيًا ومعتمدة، مما يعيق الكشف المبكر عن المخاطر. فعلى سبيل المثال، رفضت الهيئة العامة للرقابة المالية زيادة رأس مال شركة "الأولى للاستثمار" بسبب غياب نظام مالي موثوق. كما أن هجرة المستثمرين وانخفاض السيولة، نتيجة انتقال المستثمرين الأجانب والمحليين إلى أدوات أخرى مثل الدخل الثابت، يؤدي إلى تراجع النشاط في البورصة ويضعف فعالية الرقابة الوقائية بسبب انخفاض حجم التداول. وأخيرًا، قد يكون نقص الكفاءة في العمليات الرقابية بسبب وجود تداخل بين 36 جهة رقابية في مصر، مما يؤدي إلى بطء التنسيق وصعوبة تغطية جميع الفجوات، بالإضافة إلى استمرار بؤر الفساد المالي رغم الجهود المبذولة. ومع ذلك، فإن هذه الفجوات لا تعني غياب الرقابة تمامًا، بل تحتاج إلى تعزيز التنفيذ والتدريب لجميع أطراف المنظومة، كما حدث في ورش عمل الهيئة الأخيرة لتطوير السوق.

أما عن كيفية منع التلاعب قبل وقوعه، فقال إن المنع الوقائي يعتمد على مزيج من الإجراءات التنظيمية والتكنولوجية والتوعوية، ومن أبرز الآليات الرئيسية في السوق المصري الرقابة المستمرة والآلية، حيث تراقب البورصة التداول في الوقت الفعلي للكشف عن الأنماط غير الطبيعية مثل إصدار أوامر وهمية أو التلاعب في الأسعار. ووفقًا لقانون سوق رأس المال، تفرض الهيئة على الشركات المدرجة بالسوق الإفصاح الدوري عن المعاملات للكشف المبكر عن أي معلومات، كما تحدد لائحة سلوكيات السوق التصرفات الممنوعة مثل الإيحاء بتعاملات وهمية أو الاشتراك في صفقات مزيفة، وتسمح بتجميد التداول فورًا عند الاشتباه في أي مخالفة. وقد أسطرت الهيئة تاريخًا جديدًا في مكافحة التلاعب من خلال إجراءات سريعة تشمل التوعية والإبلاغ، إذ يُشجع المستثمرون على الاعتماد على بيانات الهيئة الرسمية والإبلاغ المباشر عن الشبهات عبر موقعها أو خطوط الشكاوى.

ونصح بتنويع الاستثمارات وتجنب الشركات غير المرخصة لتقليل المخاطر، إلى جانب التعزيزات التنظيمية مثل تحديث القواعد كتعديلات قواعد القيد لتعزيز الشفافية، وإطلاق أسواق جديدة مثل سوق الكربون الطوعي تحت رقابة الهيئة لمنع التلاعب من الأساس. كما أكد على أن الرقابة الوقائية في مصر تتطور باستمرار، لكن تعزيز التنفيذ والتوعية ضروري لسد الفجوات والارتقاء بالمنظومة بشكل شامل.

قال رامي حجازي، خبير أسواق المال، إن التشديد على الرقابة الوقائية بدأ خلال هذه الفترة بعد ما حدث من حالات تلاعب مثل قرارات منع التصرف في أموال بعض الأشخاص والمنع من السفر. وتبدأ الرقابة الوقائية بسوق المال من داخل الشركات العاملة والشركات المقيدة لحماية حقوق المستثمرين. وخلال الفترة الماضية، اتخذت هيئة الرقابة المالية بالفعل بعض الخطوات الإيجابية من خلال سن القوانين الجديدة، واتخاذ بعض القرارات والإجراءات التي تعزز دور الرقابة الوقائية في السوق لحماية المتعاملين، وكانت هذه خطوة ضرورية.

ومن بين أهم الخطوات الحد من التلاعب والتشديد على إجراءات "اعرف عميلك" (KYC) لكل عميل لمعرفة مقدرته المالية، ومتابعة عمليات البيع والشراء لأعضاء مجالس إدارات الشركات، ومراقبة حركة العروض والطلبات للتأكد من خضوعها لقوى العرض والطلب الحقيقية وعدم وجود شبهة تلاعب من خلال الأحجام أو الحركة السعرية.

وأضاف أن المطلوب متابعة الطلبات والعروض ذات الحجم الكبير المؤثرة في قرارات المتعاملين والتي يتم إلغاؤها لاحقًا، مما يؤدي إلى قرارات خاطئة للمستثمرين وإضرار بأموالهم، ولذا يجب تشديد العقوبات ضد كل من يقوم بالتلاعب. كما تقوم هيئة الرقابة المالية حاليًا بفحص العمليات التي تتم عن طريق أكثر من حساب يستخدم نفس عنوان الـIP، إلى جانب فحص العمليات التبادلية بين حسابات متشابهة، والتشديد على الدور الرقابي داخل الشركات العاملة.

وأشار إلى أهمية استخدام التقنيات الحديثة للربط بين تنفيذات المتعاملين وبيانات KYC، إذ يستخدم المتلاعبون في الغالب حسابات وهمية لخلق زخم مصطنع في عمليات البيع أو الشراء، وتكون هذه الحسابات تابعة لشخص واحد أو مجموعة مرتبطة أو مجلس إدارة شركة. ويفتح هؤلاء عدة حسابات لتغذية السوق بعمليات مصطنعة لإيهام المستثمرين بوجود نشاط مرتفع على سهم معين. وأحيانًا تُستخدم الحسابات الوهمية في طلبات الاكتتاب في طروحات بعض الشركات، لكن هيئة الرقابة المالية اتخذت إجراءات مشددة ضد هذه الممارسات من خلال وضع شروط تعيق تغطية الاكتتابات الوهمية.

وأوضح أن هذه الحسابات سُميت "وهمية" لأنها لا تمثل مستثمرين حقيقيين، بل هي واجهة لشخص أو مجموعة تسعى إلى زيادة حجم التداول على السهم عبر عمليات تبادلية للتأثير على السعر وقرارات المتعاملين، أو من خلال تضخيم حجم العروض والطلبات بشكل غير واقعي.

قال أيمن الزيات، خبير أسواق المال، إن قضايا التلاعب في البورصة تُعد من الجرائم الاقتصادية التي تهدد استقرار الأسواق المالية، وهي مجموعة من الممارسات غير المشروعة التي تهدف إلى التأثير المصطنع على الأسعار لتحقيق مكاسب غير قانونية. ويوجد العديد من أنواع التلاعب، منها الحصول على معلومات داخلية من الشركات واستخدامها من قبل أعضاء مجلس الإدارة قبل الإعلان عنها سواء بالبيع أو الشراء، وهناك تلاعب بالأسعار عن طريق خلق نشاط وهمي لإعطاء انطباع زائف من خلال تكرار عمليات بيع وشراء متعددة دون وجود قيمة حقيقية للشركة، وذلك باستخدام أوامر البيع والشراء لخلق تأثير سعري مصطنع يؤدي إلى تضخيم السعر أو خفضه بشكل وهمي من خلال مجموعة عملاء مرتبطين.

كما أشار إلى نوع آخر من التلاعب يتمثل في غسيل الأموال، إذ يقوم أحد الأشخاص بشراء وبيع الأوراق المالية في الوقت نفسه لخلق انطباع مضلل عن نشاط وحجم السوق، إلى جانب التلاعب القائم على الشائعات من خلال نشر أخبار كاذبة أو معلومات مضللة للتأثير على حركة الأسعار. ويتم كشف التلاعب عادة بوجود ارتفاعات غير عادية في الأسعار دون وجود أخبار جوهرية واضحة، ومع انتشار الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تبذل الرقابة المالية جهودًا كبيرة لمنع هذه الممارسات سواء قبل وقوعها أو عند اكتشافها.

وضرب مثالًا حديثًا بشركة "بريمير هيلثكير"، حيث كشفت الرقابة المالية بعد التفتيش تلاعبًا في استخدام حصيلة الاكتتاب، إذ أصدرت الشركة شيكات لـ47 شخصًا لاستخدامها في شراء أسهمها لخلق انطباع وهمي بوجود نشاط مرتفع، وتم تحويل الواقعة إلى النيابة العامة والتحفظ على أموال المجموعة المرتبطة.

وأكد الزيات أن المطلوب هو تعزيز المراقبة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين لمنع الآخرين من التلاعب، إلى جانب توعية المستثمرين وتثقيفهم بآليات سوق المال والوقاية من التلاعب، ونصحهم بالبحث عن الشركات قبل الاستثمار بدلًا من الاعتماد على الشائعات.