متحورات فيروسية جديدة تضرب صحة الماشية وتكشف انهيار منظومة التحصين
الاستيراد دون الالتزام بالحجر البيطري يفتح الباب لتسلل الأمراض الخطيرة
المربون يلجأون للعيادات الخاصة بعد فقدان الثقة في الوحدات الحكومية
د. أحمد البنداري: المنظومة الحالية بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة
تعيش الثروة الحيوانية في مصر واحدة من أخطر أزماتها، في ظل تفشي متحورات جديدة من الأمراض، والنقص الحاد في الأطباء البيطريين، وتراجع كفاءة منظومة التحصين، بالإضافة إلى عدم الالتزام بالحجر البيطري أثناء الاستيراد.
ومع تصاعد معدلات النفوق وتراجع اعداد الثروة الحيوانية، جراء هذه العوامل، تتصاعد المخاوف من قفزة جنونية في الأسعار، بشكل يهدد الأمن الغذائي للمصريين،
الدكتور أحمد البنداري، مقرر لجنة الشكاوى بالنقابة العامة للأطباء البيطريين، أكد أن الأزمة لا تقتصر على ظهور عترات جديدة فقط، بل تشمل أيضًا الضغط الناتج عن تكرار حملات التحصين طوال العام، نظرا لاحتياج الفلاحين إلى تحصين مواشيهم مع كل عترة جديدة، وهو ما لم يعد يرهقهم ماليًا فقط، بل يمثل كذلك ضغطًا صحيًا على الحيوانات نتيجة الحقن المتكرر.
وأشار إلى أن اللوائح تنص على إخطار الجهات المعنية عند الاشتباه بأي مرض، لكن التطبيق العملي يخلق ارتباكًا كبيرًا لدى المربين، مضيفًا أن الموقع يُعتبر عادة «بؤرة إصابة»، ويتم تحصين الحيوانات في محيطه لمسافة كيلومتر في كل اتجاه، غير أن التنفيذ غالبًا ما يتم بصورة عشوائية دون التزام بالمعايير، مما يجعل البلاغات تظل في نطاق الاشتباه دون متابعة فعالة.
وأوضح البنداري أن غياب قاعدة بيانات واضحة لمعرفة ما إذا كانت الحيوانات المحيطة قد حُصنت من قبل أم لا يزيد من حالة التخبط بين المربين، مضيفًا: «يبقى السؤال دائمًا: هل تم التحصين أم لا؟ ولا أحد يملك الإجابة بسبب غياب التنظيم».
وأضاف أن سوء التنسيق في تبادل المعلومات حول ظهور الحالات ساهم في تفاقم الأزمة هذا العام، مستشهدًا بظهور أول الإصابات في محافظة البحيرة، وسط تضارب المعلومات وعدم وجود نظام واضح يضمن توحيد البيانات ومشاركتها بين الجهات المعنية والمربين.
وأشار إلى أن سيناريو أزمة عام 2022 مرشح للتكرار مرة أخرى إذا استمر الوضع الحالي دون تدخل عاجل، موضحًا أن أسعار الماشية حينها قفزت من نحو 23 ألف جنيه إلى ما بين 70 و100 ألف جنيه، بينما قد تصل هذا العام في حال تفاقم النفوق إلى 150 ألف جنيه للرأس الواحدة، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار اللحوم ويرفعها بشكل كبير نتيجة نقص المعروض في الأسواق.
ولفت إلى أن تراجع أعداد الماشية بسبب النفوق سيخلق سوقًا «فارغًا وضعيف المعروض»، فالتجار لا يجدون رؤوسًا كافية للبيع أو الشراء، وتتحول الذبيحة التي تنجو من المرض إلى «كنز» يتحكم صاحبها في سعرها كما يشاء.
وأردف: «من غير المنطقي أنه في كل مرة يبدأ فيها القطاع في التعافي نفاجأ بظهور مرض جديد يعيدنا إلى نقطة الصفر»، لافتًا إلى ضرورة تحرك الجهات المعنية بسرعة، وعلى رأسها ملف تعيين الأطباء البيطريين لسد العجز في الوحدات البيطرية.
وأوضح أن أغلب العمل في الوحدات البيطرية يتم حاليًا عبر المعاونين بسبب نقص الأطباء، مشيرًا إلى أن محافظة الإسكندرية لا يوجد بها سوى 12% من الكوادر المدرجة في قوائم المديرية، بينما تقتصر الكوادر في القاهرة على 10 أطباء فقط لمراقبة اللحوم والألبان، على الرغم من أن عدد سكانها يزيد على 15 مليون نسمة. وأكد أن هذا النقص دفع الكثير من الحالات إلى اللجوء للعيادات الخاصة بدلًا من الوحدات الحكومية، ما زاد من أعباء المربين بسبب ارتفاع تكاليف العلاج وسط الغلاء الكبير في أسعار الأدوية البيطرية، مضيفًا أن هذا الواقع يدفع بعض المربين إلى الاستسلام وترك الحيوان يموت بدلًا من تقديم العلاج.
وأكد البنداري أن حجم الخسائر بات مقلقًا، خصوصًا أن الجاموس هو الأكثر تأثرًا بالعترة الحالية مقارنة بالأبقار، ما تسبب في معدلات نفوق مرتفعة أصبحت تهدد الإنتاج الحيواني بصورة مباشرة.
وأضاف أن العترة المنتشرة حاليًا لم تكن مفاجئة، قائلًا إن نفس العترة ظهرت قبل نحو ثمانية أشهر في العراق، وكان من المفترض اتخاذ إجراءات وقائية صارمة لمنع انتقالها إلى الداخل، متسائلًا عن سبب عدم تطبيق تدابير كافية للحد من دخول المرض إلى مصر، ومؤكدًا ضرورة معاقبة الممتنعين عن التحصين دون مبرر، لأن الثروة الحيوانية أمن قومي.
وأشار إلى أن مصر أصبحت تواجه ما بين ست إلى 7 عترات من الحمى القلاعية، مع ظهور متحور جديد كل عام أشد فتكًا، مؤكدًا أن الأزمة لم تعد تقتصر على الحمى القلاعية وحدها، بل تفاقمت بعد تسجيل معدلات نفوق مرتفعة في الأبقار بمحافظة البحيرة نتيجة إصابتها بمرض الجلد العقدي، الذي يؤدي إلى إضعاف المناعة، ومع دخول الحمى القلاعية بعدها تصبح أشد فتكًا.
وأوضح أن التحديات التي تواجه قطاع الثروة الحيوانية باتت متراكمة وممتدة على أرض الواقع، في ظل غياب الحزم الكافي في إدارة الملف، لافتًا إلى أن المعينين ما زالوا يتقاضون رواتبهم من الصندوق منذ عام 2014 دون تطوير فعلي للمنظومة أو الاستفادة المثلى من الكوادر البشرية المتاحة.
وشدد البنداري على غياب حملات التوعية والإرشاد البيطري التي كانت تُقدم سابقًا عبر شاشات التلفزيون للمربين، مؤكدًا أن المنظومة الحالية تحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة تبدأ من دور معهد بحوث صحة الحيوان، وضرورة النزول إلى القرى والمزارع، وإجراء حصر فعلي للثروة الحيوانية، ومتابعة حالات الإصابة بعد التحصين، مع الاستفادة القصوى من الموارد البشرية والخبرات المتاحة.
وأشار إلى أن مصر كانت من أوائل الدول التي نجحت في القضاء على مرض الجدري بين الأطفال، متسائلًا عن سبب عدم تطبيق النهج نفسه على الثروة الحيوانية، التي تُعد جزءًا أصيلًا من الأمن القومي، مطالبًا بالتفكير طويل المدى بدلًا من الاكتفاء بالتحرك بعد وقوع الأزمات فقط.
وحذر من سوء تنظيم استيراد الماشية، مشيرًا إلى أن أي حيوانات مستوردة يجب أن تخضع لحجر بيطري يتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع لضمان خلوها من الأمراض المعدية، مؤكدًا أن إهمال هذا الإجراء يعكس تراجعًا وتهميشًا لدور الطبيب البيطري الذي يجب أن يقوم بدوره في دعم الدولة والحفاظ على الثروة الحيوانية.
وأضاف أن غياب الأطباء البيطريين في متابعة عمليات الاستيراد يفاقم المشكلة، مشددًا على أن منظومة الثروة الحيوانية تمتد من المزرعة حتى وصول المنتج إلى المستهلك، وكل خطوة فيها تحتاج إلى إشراف طبي دقيق، في حين تركز البرامج الإعلامية حاليًا على الحيوانات الأليفة مثل الكلاب والقطط، متجاهلة الثروة الحيوانية التي تمثل أمنًا قوميًا حقيقيًا.
«إحنا بقينا نحس إن المزارع بقت مقبرة للماشية مش مصدر رزق»، بهذه الكلمات يلخص مربون حال الثروة الحيوانية اليوم. يقول أحدهم بحسرة: «طول السنة بنحصن ضد الأمراض، والنتيجة واحدة.. المرض بيرجع أقوى، والماشية بتموت قدام عينينا».
ويؤكد المربون أن حملات التحصين المتكررة أرهقتهم ماديًا، والوحدات الحكومية بلا أطباء، قائلين: «كان زمان الطبيب بيعدي علينا يتابع الحالة ويطمن، دلوقتي لو الحيوان تعب بنجري على العيادات الخاصة والتكلفة بقت عالية».
ويتفق معهم مربٍ آخر مضيفًا أن الجميع أصبح يردد نفس الجملة: «الوضع ما بقاش محتمل»، فالتحصين لا يمنع المرض، والأدوية باهظة الثمن، والأسواق شبه خالية من العجول السليمة، وفي النهاية أدى غياب المتابعة الدورية إلى جعل المربين يعيشون في خوف دائم، لا يعرفون متى تضربهم موجة جديدة من النفوق.