في الوقت الذي تخوض فيه الدولة سباقًا مع الزمن لتعزيز الأمن الغذائي، يبرز ملف الأعلاف كواحدًا من أكثر التحديات أمام قطاع الثروة الحيوانية والداجنة، حيث معظم الاحتياجات المحلية ما تزال تعتمد على الاستيراد، الأمر الذي يرهق السوق ويرفع تكلفة الإنتاج أمام المربين، ومع اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي من الذرة الصفراء وفول الصويا وبين حجم الاستهلاك، بدأت وزارة الزراعة تبحث عن بدائل عملية قادرة على توفير علف محلي مستدام، فجاء ظهور البونيكام كأحد أهم الخيارات التي تحظى باهتمام واسع خلال السنوات الأخيرة.
ولم يعد البونيكام مجرد تجربة محدودة في بعض المناطق، بل تحول إلى توجه زراعي حقيقي، خاصة في ظل قدرته على النمو تحت ظروف صعبة تعجز المحاصيل التقليدية عن تحملها، إلى جانب قيمته الغذائية العالية التي تجعله عنصرًا أساسيًا في خطط التوسع بصناعة الأعلاف المحلية، ومع تمدد المشروعات الصحراوية الجديدة في مصر، أصبح هذا النبات على رأس قائمة المحاصيل المرشحة لتقليل فاتورة الاستيراد ودعم مزارع الإنتاج الحيواني.
انتشار متسارع في مناطق التوسع الصحراوي
شهدت السنوات الأخيرة توسعًا واضحًا في زراعة البونيكام، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على الري الحديث مثل الوادي الجديد، شرق العوينات، المنيا الجديدة، بني سويف الجديدة، مطروح، والإسماعيلية، وتمتلك هذه المحافظات طبيعة مناخية وتربة تجعلها مناسبة لزراعة المحصول الذي أظهر قدرة كبيرة على التكيف مع الحرارة العالية وملوحة المياه، وهو ما جعله بديلًا ناجحًا للبرسيم في المناطق الصحراوية.
ويؤكد خبراء مركز بحوث الصحراء أن البونيكام أصبح من المحاصيل التي يمكن الاعتماد عليها في توفير علف ثابت لمزارع الأبقار والجاموس والإبل، بفضل إنتاجيته العالية واحتوائه على نسب مرتفعة من البروتين، الأمر الذي جعله مرغوبًا لدى أصحاب المزارع، خصوصًا في فترات ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة.
محصول دائم يعيش لسنوات ويقلل تكاليف الإنتاج
يعد البونيكام من المحاصيل المعمرة، حيث تستمر دورة إنتاجه لمدة تصل إلى خمس سنوات، ما يمنح المزارع دخلًا ثابتًا دون الحاجة لإعادة الزراعة سنويًا، ويتم حصد النبات بعد نحو 60 إلى 70 يومًا من الزراعة، ويستمر في إعطاء حشات متتالية طوال الموسم، وهو ما يقلل من تكلفة الأعلاف ويزيد من وفرتها داخل المزارع، خاصة تلك التي تعتمد على الإنتاج الحيواني المكثف.
وتشير التقارير إلى أن زراعته في الأراضي الرملية بنظام الري بالتنقيط تمنحه قدرة أكبر على النمو بكفاءة، إلى جانب توفير المياه مقارنة بمحاصيل الأعلاف التقليدية، كما أن تعرضه للشمس لبضع ساعات يرفع من قيمته الغذائية ويجعله مناسبًا للتسمين وزيادة إنتاج الحليب.
خصائص فريدة تجعل البونيكام بديلاً استراتيجياً للبرسيم
يتميز البونيكام بقدرته على تحمل درجات الحرارة المرتفعة والبرودة، بالإضافة إلى مقاومته للجفاف، ما يجعله ملائمًا للمناطق التي تعاني من محدودية مياه الري، كما يمكن زراعته في مختلف أنواع التربة بما فيها الجيرية والرملية، إلا أن أفضل إنتاجية تتحقق في التربة العميقة جيدة التهوية.
ويحتوي النبات على نسبة مرتفعة من البروتين، ما يجعله علفًا مثاليًا لقطعان الأبقار والماعز والإبل والدواجن، كما يسهم في تثبيت الآزوت في التربة، مما يساهم في تحسين خصوبتها مع مرور الوقت، إلى جانب دوره في توفير سماد بلدي يساعد المزارع على تقليل استخدام الأسمدة الكيماوية.
مواعيد الزراعة وأسس الإدارة الجيدة للنبات
تبدأ زراعة البونيكام خلال فصل الربيع، ويُعد شهرا مارس وأبريل الأفضل للزراعة، بينما تسمح بعض المناطق الدافئة بزراعته حتى شهر أغسطس، ويحتاج الفدان الواحد إلى نحو ثمانين صينية شتل بمتوسط مائتي نبات داخل كل صينية، وهي طريقة باتت أكثر انتشارًا لرفع نسبة النجاح وتقليل الفاقد في بداية الزراعة.
ويفضل الخبراء إضافة السماد البلدي قبل الزراعة، ثم التسميد باليوريا بعد كل حشتين لضمان نمو قوي وتحقيق أعلى معدل إنتاج، كما ينصح بتجفيف النبات لمدة أربع ساعات على الأقل قبل تقديمه كعلف أخضر للمواشي، أو تجفيفه بالكامل للحصول على علف جاف يستخدم في عمليات التسمين.
تحديات تعوق التوسع رغم مزاياه الكبيرة
ورغم المزايا العديدة للبونيكام، إلا أن هناك مجموعة من التحديات ما تزال تعرقل التوسع في زراعته بالوتيرة المطلوبة، فالنبات يحتاج إلى انتظام الري في المراحل الأولى من النمو، وهو ما يمثل صعوبة في بعض المناطق الصحراوية التي تعاني من نقص المياه أو ارتفاع تكاليف تشغيل الآبار، كما أن شتلات البونيكام عالية الجودة تُعد مرتفعة التكلفة نسبيًا، ما يجعل تكلفة البداية أكبر مقارنة ببعض المحاصيل التقليدية.
ويواجه بعض المزارعين صعوبة في التعامل مع المحصول من حيث التسميد والري والحصاد، نتيجة نقص الخبرة الفنية، وهو ما يجعل دور الإرشاد الزراعي ضروريًا لتجنب خسائر الإنتاج، كما أن بعض الآفات الفطرية والحشرية قد تؤثر على النبات إذا لم تُتبع برامج المكافحة المناسبة، إضافة إلى تأثير الرياح الشديدة والحرارة المفرطة في سنوات النمو الأولى.
آراء مزارعين: محصول مربح لكنه يحتاج متابعة دقيقة
يقول محمود عبد الرازق، أحد المزارعين في منطقة شرق العوينات، إن البونيكام أصبح من المحاصيل الأساسية في مزرعته، بسبب إنتاجيته الكبيرة وتحمّله للظروف القاسية، لكنه يشير إلى أن نجاح المحصول يتطلب انتظامًا في الري خلال الشهرين الأولين، ويضيف أن العائد الاقتصادي جيد، خاصة مع زيادة الطلب عليه من مزارع المواشي.
أما أحمد صابر من مطروح فيرى أن البونيكام قلل من اعتمادهم على شراء الأعلاف الجاهزة، لكنه يلفت إلى أن تكلفة الشتلات ما تزال مرتفعة، ويؤكد أن التوسع في إنتاج شتلات محلية سيخفض التكلفة ويحسن من انتشار المحصول بين صغار المزارعين.
ويشير محمد البدوي، مربي مواشي في الإسماعيلية، إلى أن القيمة الغذائية للبونيكام انعكست بشكل واضح على زيادة إنتاج الحليب في مزرعته، لكنه يعتقد أن ضعف الدعم الإرشادي ما يزال مشكلة تحتاج إلى حلول، خصوصًا للمزارعين الجدد في مناطق التوسع الزراعي.