بشقة بالطابق الثالث ببناية بمحيط مركز شباب الحبانية وسينما الحلمية الجديدة، تقول آمال جودة (67 عامًا)، مديرة مدرسة ثانوي بالمعاش (أرملة)، إنها عاشت بها نحو 48 عامًا متواصلة، بإيجار 19 جنيهًا منذ 1977.
أمهل القانون السيدة الستينية سنوات حتى تغادر منزلها بلا رجعة، بينما تتابع لـ"عالم المال" أن أولادها يبحثون عن برنامج "تمويل عقاري" يناسبها، إلا أن دخلها أقل من الحد المشروط.
بالقاهرة فقط نحو 1.1 مليون وحدة سكنية بنظام الإيجار القديم، بينما هناك ما يناهز 2.9 مليون وحدة بالبلاد تسكنها 1.6 مليون أسرة تجاوز أعدادها 6.5 مليون مواطن، حسب "التعبئة العامة والإحصاء".
في التحقيق الحالي تبحث "عالم المال" سؤال:
هل يوفّر التمويل العقاري للمواطنين الحصول على سكن بعد إلغاء "الإيجار القديم"؟
تمارس 26 شركة مرخصة نشاط التمويل العقاري، بلغت عقودها للعملاء 9.8 آلاف بقيمة 25.1 مليار جنيه خلال العام الجاري، بينما تجاوزت العقود 10.5 آلاف بقيمة 25.5 مليار جنيه بنهاية 2024، حسب "الرقابة المالية".
أيمن عبد الحميد، العضو المنتدب لشركة الأولى للتمويل العقاري، قال إن القطاع مستمر في النمو ما دامت الأسعار متزايدة مع انخفاض الفائدة "نسبيًا"، حسب وصفه.
وأضاف لـ"عالم المال" أن لجوء المؤجرين القدامى للتمويل العقاري مرهون بمبادرات حكومية تدعم المسنّين وذوي الدخل المحدود، وإلا سيظل اعتماد تلك الشرائح على الإيجار أو برامج إسكان الدولة.

بينما قال الدكتور حازم حسانين، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، إن حق السكن ليس أزمة اقتصادية واجتماعية، بل قد تتحول -إذا تُركت دون حل- إلى تداعيات لا يُحمد عقباها.
وأضاف لـ"عالم المال" أن ارتفاع دفعات مقدّم التمويل العقاري يُنفّر ذوي الدخل المنخفض منه، مبينًا ضرورة هيكلة الشروط وزيادة فترات السداد وتبسيط المستندات وإجراءات التقييم، مع إطلاق مبادرات للفئات المتوسطة بفائدة منخفضة.
ورث الموظف بهيئة البريد محمد شعلان (41 عامًا)، شقة إيجار قديم عن والده بحارة المحمودي بشبرا مصر، ولكنه يتلقّى مؤخرًا إعلانات هاتفية عن سكن بنظام التمويل العقاري.
يضيف لـ"عالم المال": "المتصلون منهم بنوك وشركات، يستعلمون عن راتبي ويعرضون شققًا بمقدّم يصل لـ20% من قيمة الوحدة، بدفعات لا تناسب سوى الأغنياء"، حسب وصفه.
عوائق تطل برأسها
قال الدكتور محمد باغة، أستاذ الإدارة واقتصاديات التمويل والاستثمار ورئيس قسم إدارة الأعمال بجامعة قناة السويس، إن معوّقات الحصول على التمويل العقاري تقودها زيادة أسعار الفائدة نتيجة سياسات مكافحة التضخم، ما يرفع تكلفة الاقتراض ويضعف قدرة تحمل الالتزامات.
وأضاف لـ"عالم المال" أن تدهور العملة وارتفاع تكلفة مواد البناء تزيد أسعار الوحدات وتنعكس على المقدّمات والأقساط لدى الممولين العقاريين، ما يحمّل محدودي الدخل عبئًا.
وذكر أن عقبات التسجيل والاشتراطات القانونية، خاصة بالمدن الجديدة، تكبح رواج التمويل، كما أن ضعف المعلومات الائتمانية لبعض الفئات يجعل الشركات والبنوك أكثر تحفظًا.
خلال الجمعة 14 من الشهر الجاري، أجرى محرر "عالم المال" جولة ميدانية بالأماكن المشتهرة بالإيجارات القديمة، بمناطق مصر القديمة والملك الصالح والفسطاط وشوارع قدري والقلعة والسد وميادين باب الشعرية والظاهر والسكاكيني، إضافة إلى شبرا مصر وما حولها من بولاق أبو العلا وروض الفرج وسانت تريز والساحل.
شمل الاستطلاع روّاد مساجد السيدة زينب وعمرو بن العاص والشعراني والظاهر، وسوق الفسطاط، ومجمّع الأديان، وعدد من المقاهي، وأسفر عن رأي 98 مستأجرًا (منهم 13 سيدة)، و9 آخرين من مُلّاك وحدات الإيجار القديم.
وتم طرح سؤال موحد:
هل تنوي التعامل بنظام التمويل العقاري؟
حسب التحليل الإحصائي لبيانات الاستطلاع، كشفت النتائج عن فجوة واضحة، إذ قال 65.3% من المشاركين إنهم "لم يفكروا إطلاقًا في التمويل العقاري" بواقع 64 شخصًا، بينما اكتفى 18 آخرين (18.3%) بالتفكير فيه دون بحث عن برامج.
في حين أفاد 11.2% من العينة بأنهم فكّروا فيه وبحثوا عن برامج لكنهم لم يتقدموا لاعتبارات عدّة أبرزها الفائدة المرتفعة، بواقع 11 شخصًا، في حين لم يتجاوز المتقدمون للتمويل العقاري 5.1% (5 أشخاص).
قال حازم حسانين إن إلغاء "الإيجار القديم" قد يخلق طفرة في الطلب على التمويل العقاري، بسبب لجوء ملايين للبحث عن بدائل سكنية، لافتًا لـ"فئة ثالثة" ستواجه أسعار إيجارات أعلى من قدرتها.
بينما رجّح أيمن عبد الحميد "بعث سوق الإيجار من جديد" حسب تصريحه لـ"عالم المال"، معللًا ذلك بعدم امتلاك أغلب المستأجرين القدرة المالية لشراء وحدات سكنية حتى مع برامج التمويل، متوقعًا توفير الدولة وحدات للإيجار بأسعار ومدد زمنية منطقية، كي تضمن تلك الشريحة مسكنًا.
وذلك ما يدفع لطرح سؤال:
ما التوقعات للتمويل العقاري خلال السنوات المقبلة بعد إلغاء "الإيجار القديم"؟
توقع محمد باغة توسّع الدولة ببرامج الدعم وتقديم شروط تمويلية أفضل وفترات سداد أطول للمستأجرين القدامى، مضيفًا أن الانتشار العمراني بالمدن الجديدة قد ينعش نشاط التمويل العقاري شريطة تفعيل تيسيرات قانونية وتنظيمية تقلل مخاطر المقترضين.
وأضاف لـ"عالم المال" أن التوسّع العمراني وزيادة الوحدات المعروضة يخلق فرصًا تمويلية ويقلل مخاطر التعثر، مشيرًا إلى ارتفاع الوعي المالي للمواطنين في ظل تعدد البدائل بين البنوك وشركات التمويل والمطورين، ما يزيد قدرة السوق على استيعاب شرائح جديدة.

أما أيمن عبد الحميد، قال إن القطاع شهد نموًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، متجاوزًا 60-80% سنويًا، متوقعًا أن تصل حجم التمويلات بنهاية العام الجاري نحو 40 مليار جنيه، مع تجاوز 50 مليار جنيه خلال 2026.
وأوضح لـ"عالم المال" أن نمو القطاع مدفوع بارتفاع أسعار العقارات الحادّ الذي حوّل دفع العملاء التقليديين للاعتماد على الأقساط بدلًا من الشراء النقدي، مشيرًا إلى أن انخفاض أسعار الفائدة مؤخرًا خفّف عبء المستفيدين ودفعهم للإقبال على التمويل.
بينما توقع حازم حسانين ارتفاع عدد عملاء التمويل العقاري إلى 5 ملايين تدريجيًا باقتراب إخلاء الوحدات خلال 5-7 سنوات، مشيرًا إلى الأثر "الإيجابي" للقطاع و"السلبي" لمحدودي الدخل، حسب تصريحه لـ"عالم المال".
من جهته، قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، إن التمويل العقاري قد يشهد نشاطًا متزايدًا خلال الفترة المقبلة، مشيرًا إلى ضرورة تنظيم السوق العقارية والتمويلية بوضع آليات عادلة لعدم مبالغة الشركات في أسعارها للعملاء، حسب تصريحه لـ"عالم المال".
يملك رجب سلماوي (61 عامًا)، ضابط صف بالمعاش، عمارة بشارع حسن الأكبر بعابدين، ويتفاوض حاليًا مع سكّانها لبيع شقق البناية الـ12 لهم بنظام التمويل العقاري، بينما يقبض هو الثمن كاملًا ويقسّط المستأجرون الدفعات لدى الشركات.
يقول سلماوي لـ"عالم المال" إن سبب لجوئه وإخوته -ورثة العمارة- لذلك الحل؛ أن أباهم أجّر بناية وسط البلد لتؤمن لهم مبلغًا يعينهم، ولكنهم لا يجنون سوى 900 جنيه شهريًا، بينما يسكنون بيتًا بحارة الشماشرجي بسوق السلاح.
تضم مجموعة "ملّاك العقارات القديمة في جروب واحد" على فيسبوك (المنصة الأوسع انتشارًا بمصر) نحو 153 ألف عضو.
استطاع محرر "عالم المال" الحديث لـ78 شخصًا منهم لسؤالهم عن سيناريو لجوئهم لشركات تمويل عقاري وبيع الوحدات للمستأجرين.
وتم طرح سؤال موحد:
ما مدى استعدادك لبيع وحدتك للمستأجر القديم بالتمويل العقاري؟
بإضافة آراء عينة الجولة الميدانية (13 مالكًا) للعينة الافتراضية (78)، أظهرت نتائج استطلاع "عالم المال" تباينًا تجاه سيناريو بيع الوحدات للمستأجرين بالتمويل الاستهلاكي، إذ أبدى 12% (11 مالكًا) موافقتهم على البيع، كأقل الفئات تمثيلًا، مع قناعة لدى بعضهم بعدم تحقيق البيع قيمة عادلة.
بينما جاءت فئة المُلّاك المترددين بنسبة 26% (24 شخصًا)، لم يتخذوا قرارًا نهائيًا، أما الرافضون قطعًا فشكّلوا أكبر شريحة بنسبة 34% بواقع 31 مالكًا، لاعتبارهم الوحدات أصلًا استثماريًا مهمًا.
وبرزت فئة الراغبين استعادة وحداتهم للاستغلال بنسبة 17% (15 مالكًا)، إذ يسعون لمنحها لأبنائهم أو تحويلها لمشروعات أو إعادة بنائها وتطويرها، كما أبدى 11% (10 أشخاص) رغبتهم في البيع لكنهم لا يثقون بشركات التمويل.
وعن ذلك، قال محمد باغة إنه "سيناريو قابل للنقاش لكنه شديد الصعوبة"، موضحًا أن أغلب أصحاب الإيجار القديم من كبار السن وأصحاب الدخول المحدودة أو المعاشات، لا يحتملون القروض العقارية طويلة الأجل، مرجحًا ألا تتجاوز نسبة نجاح السيناريو 20-30%، حسب تصريحه لـ"عالم المال".
واقترح حازم حسانين تأسيس صناديق متخصصة تتيح تمويلات عقارية متوسطة وطويلة الأجل على غرار تجارب ماليزيا وتركيا، مشيرًا إلى أن سوق المال قد يحل الأزمة عبر تفعيل أدوات كالسندات طويلة الأجل وصكوك التمويل العقاري.
وأضاف لـ"عالم المال" أن تفعيل الإيجار التمليكي (Rent-to-Own) حل لضعف القدرة الشرائية، إذ يسمح للعميل باستئجار الوحدة بينما يُخصم جزء من الإيجار لصالح الملكية تدريجيًا، وصولًا إلى التملّك، دون مقدّم ضخم.

خريطة العزوف عن التمويل العقاري
كشف استطلاع "عالم المال" للعينة عن خريطة أسباب عدم لجوء المستأجرين القدامى للتمويل العقاري، وجاءت "الفائدة المرتفعة" بصدارة دوافعهم، إذ اعتبرها 32% من المشاركين (31 شخصًا) السبب الأهم لرفضهم، تلاها ارتفاع الأقساط الشهرية الذي شكّل عائقًا أمام 26% منهم.
وأضاف 18 مشاركًا أن عوائقهم "ضعف الدخل" و"عدم تغطية الرواتب الحالية التزامات التمويل"، فيما عبّر 12% عن خشيتهم من تعثر السداد وما يترتب عليه من أعباء قانونية ومالية، ولفت 7% إلى عوائق "الإجراءات المعقدة للممولين"، بينما رأى 5 أشخاص أن الوحدات المتاحة عبر البرامج لا توافق مستواهم المعيشي.
تعكس تلك النتائج خوف الجمهور من الالتزامات طويلة الأجل إلى جانب ضغوط الفوائد والأقساط، كعوامل مؤثرة على قرارات المواطنين إثر إلغاء "الإيجار القديم".
وعن مخاطر التمويل العقاري، قال الخبير القانوني بسام أبو جازية، إن الشركات والبنوك تفرض غرامات على المتخلفين عن سداد الأقساط، تتراوح بين 2% و5% من المبلغ تُحتسب من تاريخ الاستحقاق، إضافة إلى مصروفات إعادة الجدولة التي تناهز 2% من المبلغ.

وأضاف أبو جازية لـ"عالم المال" أن جهة التمويل تُمهل العميل المتخلّف 30 يومًا، بينما تُنذره بالسداد خلال الـ60 يومًا التالية، بينما يحق لها بعدها طلب استصدار أمر قضائي بالتنفيذ على العقار حال عدم الاستجابة.
وتابع أن المحكمة تعيّن وكيلًا عقاريًا تابعًا لـ"الرقابة المالية" لبيع الوحدة بإشراف قضائي، بشرط تحديد خبيرين معتمدين لتحديد قيمته السوقية، ويتم دفع عائد البيع للمستحقات المتأخرة والغرامات.
ذكر خالد الشافعي لـ"عالم المال" أن الحكومة مطالَبة بوضع سياسات عادلة للسوق العقارية تضمن توازن العرض والطلب، حتى لا يكون المواطن "ضحية دائمة لاضطرابات السوق"، حسب وصفه.
وذلك ما يدفع لسؤال:
هل يملك قطاع التمويل العقاري حلًا لمشكلة المستأجرين القدامى؟
قال أيمن عبد الحميد إن قطاع التمويل العقاري قادر على تصميم منتجات لمحدودي الدخل بشرط "توافر دعم فائدة من الدولة"، على غرار مبادرات الإسكان الاجتماعي، حسب تصريحه.
وأضاف لـ"عالم المال" أن الفئات الأكبر سنًا أكثر احتياجًا للمبادرات، إذ إنها شرائح يصعب تمويلها بمنتجات تقليدية، مضيفًا: "لازم يكون لهم مبادرة خاصة من الدولة".
وطالب حازم حسانين بوضع نظام تقييم محايد يربط قيمة التمويل بالتكلفة الحقيقية للبناء، وليس بالسعر السوقي المبالغ فيه، لضمان العدالة للعميل وتقليل مخاطر التعثر.
واقترح تدشين نموذج تمويلي تشاركي، يسهم فيه المطوّر العقاري بجزء من التمويل، على أن تستكمل البنوك الشطر الأكبر، لتخفيف العبء المالي على العميل، حسب حديثه لـ"عالم المال".
ويرى حسانين أن الفئات الأقل دخلًا تواجه واقعًا صعبًا، لا سيما بالريف، مقترحًا تخطيط مدن كاملة لأصحاب الدخول المنخفضة، تُمنح فيها الوحدات وفق الخصم الثابت من الدخل (10%) شهريًا لمدة 20-30 عامًا.
بينما صرّح محمد باغة أن الحكومة تدرس إنشاء برامج وصناديق عقارية للفئات محدودة الدخل، وستوفر بدائل سكنية مناسبة ودعم مباشر للمستأجرين غير القادرين، لمكافحة "التهجير القسري".
وأضاف لـ"عالم المال" أن ارتفاع الإيجارات بعد هيكلتها مؤخرًا لحين إخلاء الوحدات، سيؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين، مرجّحًا ارتفاع التضخم العقاري، ما سيدفع أسعار البنايات لزيادة حادة إذا لم تُطرح بدائل مناسبة.
لـ"عالم المال"، نفى أيمن عبد الحميد وجود برامج تمويل عقاري حاليًا للمستأجرين القدامى، لافتًا إلى أن آثار إلغاء القانون لن تظهر إلا خلال 5-7 سنوات، سيصنف كثير من المستأجرين أثناءها كـ"أصحاب معاشات".
وقال خالد الشافعي، إن ملف "الإيجار القديم" أصبح بيد المحكمة الدستورية العليا، التي قد تعدّل أو تلغي بعض بنود القانون الجديد، لا سيما التي أثارت خلافًا بين المُلاك والمستأجرين، مع ضرورة حماية حقوق الطرفين دون إضرار بالاستقرار الاجتماعي، حسب تصريحه لـ"عالم المال".

وقال محمد باغة إن مؤشرات نمو سوق التمويل العقاري مرهون بالتوسع الحكومي بالبرامج، ما سيشجع البنوك والشركات على تقديم منتجات مرنة، مضيفًا أن التطبيقات والأنظمة الإلكترونية ستقلّص الإجراءات وتسرّع الموافقات، ما قد يرفع جاذبية المنتج العقاري خلال الـ7 سنوات المقبلة، حسب تصريحه لـ"عالم المال".
ما يزال رجب سلماوي في مفاوضاته مع المُلاك رجاء بيع بنايته لهم بطرق تقليدية أو بالتمويل، بينما حفزّت المكالمات الهاتفية لمقدمي الخدمة محمد شعلان للبحث عن برنامج يناسب راتبه.
أما آمال جودة فقد استقرّت على لجوئها للإيجار، لأن "ما انقضى من العمر لن يكون أكثر مما بقي"، حسب قولها.