الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
صندوق النقد الدولي صندوق النقد الدولي

تقرير لـ"حلول للسياسات البديلة":

مصر وصندوق النقد.. مراجعة حاسمة تحت ضغط الخصخصة ورفع الدعم

وصلت بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر في الأول من ديسمبر لمراجعة التقدم الذي أحرزته في اتفاقيات قروضها الأخيرة، ومن المقرر أن تغادر في الثاني عشر من الشهر نفسه، وقد كشفت زيارة الصندوق في وقت سابق من هذا العام عن نقاط خلاف مستمرة تظل محورية في المراجعة المقبلة.

وقد حصلت «عالم المال» على نسخة من تقرير صدر توًّا لمركز حلول للسياسات البديلة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، يتناول بالدراسة والتحليل مسار المفاوضات الجارية بين مصر وصندوق النقد الدولي، قبيل المراجعة الجديدة لبرامج القروض.

ويقدّم التقرير قراءة معمّقة لطبيعة التقدّم المحقَّق حتى الآن، والفجوات التي ما زالت محل خلاف بين الجانبين، مع التركيز على ملفات بيع الشركات المملوكة للدولة وسياسات دعم الطاقة باعتبارهما أبرز محاور التقييم في الزيارة الحالية لبعثة الصندوق.

أهمية الزيارة

ستُقيّم هذه الزيارة أداء مصر لصرف الشريحة الأولى من تمويل صندوق المرونة والاستدامة -الذي وافق عليه الصندوق في مارس الماضي- إضافة إلى شريحة أخرى ضمن تسهيل الصندوق الممدد لعام 2022، وبناء على نتائج الزيارة، قد تحصل مصر على حوالي ملياري دولار أو أكثر على شكل دفعات من القرض.

ويعتمد صرف شرائح القرض على تلبية معايير الأداء، التي تشمل الحد الأدنى من احتياطي النقد الأجنبي ومستهدفات الرصيد الأولي للموازنة والمؤشرات الهيكلية مثل سعر الصرف المرن، والترشيد المالي، وخفض دعم الوقود.

وبعيدًا عن شرائح القروض، تظل تقييمات الصندوق عاملًا محفزًا لوصول مصر إلى مصادر أخرى للتمويل الأجنبي، إذ تشير إلى سلامة الوضع المالي للدولة أمام الجهات الدائنة الأخرى.

ما هي أبرز نقاط الخلاف؟

خلال مؤتمر صحفي أعقاب مراجعته الأخيرة لبرنامج القرض، أشار صندوق النقد الدولي إلى نقطتي خلاف رئيسيتين بشأن صرف شرائح القرض القادمة، وهما -كما ذكرت التقارير- بيع الشركات المملوكة للدولة ورفع الدعم عن الوقود. 

منذ عام 2022، شهدت عمليات بيع الشركات المملوكة للدولة تباطؤًا نتيجة زيادة التضخم وانخفاض قيمة العملة، ما جعل من الصعب إجراء تقييمات للأصول، وذلك وفقًا لتصريحات الحكومة.

ومع ذلك، واستباقًا للمراجعة القادمة، أعلنت الحكومة في أبريل 2025 عن طرح حصص في خمس شركات للبيع، وهي "الوطنية للبترول" و"شيل أوت (Chill out)" و"صافي" و"سايلو فودز (Silo Foods)" و"الشركة الوطنية لإنشاء وتنمية وإدارة الطرق"، حيث تم إدراج 2 من تلك الكيانات (الوطنية وصافي) بالفعل ضمن خطط البيع منذ عام 2020.

وأعقب مجلس الوزراء ذلك البيان بإجراء إحصاء للشركات المملوكة للدولة في سبتمبر، وتعيين بنوك استثمارية ومستشارين قانونيين لعشر شركات مملوكة للدولة لدعم عملية البيع.

كما صرح وزير المالية أحمد كجوك في أكتوبر أن الحكومة تستهدف جمع 1.25-1.5 مليار دولار من خلال طرح حصص في الشركات المملوكة للدولة بحلول يونيو 2026، مع توجيه نصف العائدات لخفض الدَّين. وعلى الرغم من التعهدات بإتمام صفقة واحدة على الأقل قبل نهاية العام، لم تنجح الحكومة في إتمام أي عملية بيع.

اعتمدت الحكومة في نهاية المطاف على صفقات استثمار الأراضي واسعة النطاق -لا طرح الشركات المملوكة للدولة- لتأمين النقد الأجنبي وخفض الدَّين، مثل صفقة رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار، ومؤخرًا صفقة علم الروم بقيمة 29.7 مليار دولار.

تمثلت النقطة الثانية في توصيات صندوق النقد الدولي برفع أسعار الوقود إلى مستوى استرداد التكلفة، وتوجيه 50% من العائدات لخفض عجز الموازنة.

وقد أحرز برنامج إصلاح دعم الطاقة تقدمًا ملحوظًا منذ اتفاقية صندوق النقد الدولي للفترة (2016-2019)، وإن كان بشكل متفاوت، فقد ألغت الحكومة جميع أشكال دعم الكهرباء في السنة المالية 2019/2020 و2020/2021 على التوالي، بينما استمر دعم الوقود عند مستويات منخفضة جدًّا.

وأجبر انخفاض قيمة العملة والاعتماد على مصادر الطاقة المستوردة (الغاز الطبيعي) صانعي السياسات لاحقًا على إعادة دعم الكهرباء في السنة المالية 2022/2023، وزيادة دعم الوقود أيضًا.

وتسارعت معدلات زيادة أسعار الوقود مرة أخرى في أبريل 2025 بنسبة تصل إلى 15% على كل المنتجات البترولية، تلتها زيادة ثانية بنسبة 10-13% في أكتوبر 2025 على البنزين والديزل، بينما ارتفع سعر الغاز الطبيعي المضغوط بنسبة تقارب 43%. 

تُظهر موازنة السنة المالية 2025/2026 خفضًا بنسبة 51% في دعم الوقود -بلغ نحو 150 مليار جنيه- أي ما يعادل إجمالي دعم الوقود والكهرباء في العام السابق، الذي بلغ 75 مليار جنيه للوقود و75 مليار جنيه لدعم الكهرباء.

وقد تمكن المسئولون الحكوميون من تحقيق الامتثال للمقاييس المتعلقة بالوقود عن طريق تحويل عبء الدعم من بنود الوقود -الظاهر في أسعار محطات الوقود- إلى حسابات الكهرباء.

تُبرز المراجعة المرتقبة لصندوق النقد الدولي أداء إصلاحيًّا متباينًا في مصر، إذ تظل بعض المتطلبات أسهل على الحكومة في التنفيذ مقارنة بغيرها، فالإجراءات التي تُحقق مكاسب مالية سريعة -مثل رفع أسعار الوقود وخفض الدعم والصفقات الاستثمارية الضخمة- تُمكّن الحكومة من إحراز تقدم ملموس مقارنة بمؤشرات الصندوق. وسيعود القرار لصندوق النقد الدولي لتحديد ما إذا كانت تلك المكاسب تستوفي شروط السداد لديه، وبالتالي تستحق صرف مزيد من الشرائح.