الجمعة، 05 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
محصول الفراولة محصول الفراولة

مذكرة تشعل أزمة الفراولة.. و"مزارعون" يواجهون الخسائر وشركة واحدة تحتكر السوق

تعيش زراعة الفراولة في مصر واحدة من أشد أزماتها، بعدما تعرض آلاف المزارعين لخسائر فادحة نتيجة الانهيار الحاد في أسعار الفراولة داخل الأسواق المحلية وفي حركة التصدير، بينما ترتفع تكاليف الإنتاج بشكل مستمر، وهو ما دفع العديد من المزراعين والمصدرين إلى التحذير من مستقبل هذا المحصول الاستراتيجي الذي تعتمد عليه مصر كأحد أهم مصادر العملة الصعبة.

ويقول مزارعون ومصدرون إن جذور الأزمة بدأت بعد توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الزراعة وإحدى الشركات المالكة لأصناف الفراولة المسجلة، وهي المذكرة التي حصلت «عالم المال» على نسخة منها، إذ ترتب عليها إلزام المزارعين بإرفاق فاتورة شراء شتلات معتمدة من الشركة نفسها كشرط أساسي للحصول على التكويد ومن ثم التصدير.


ويؤكدون أن الإجراءات الناتجة عن تلك المذكرة تتعارض مع عدد من مواد قانون حماية الملكية الفكرية رقم ٨٢ لسنة ٢٠٠٢، وكذلك مع أحكام قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية رقم ٣ لسنة ٢٠٠٥، بما يضع المزارع في وضع بالغ الصعوبة ويقيده في شراء مصدر واحد للشتلات حتى وإن كانت جودتها متدنية، وهو ما حدث بالفعل خلال موسمي 2024/2025 و2025/2026 بعد انتشار أمراض جديدة جاءت مع شتلات رديئة فُرضت على المزارعين.

وفي خطوة تعكس اتساع دائرة الغضب، تقدم المزارعون والمصدرون بشكوى رسمية إلى رئاسة الجمهورية، حصلت «عالم المال» على نسخة منها أيضًا، مؤكدين أن القرار ينسف مبدأ حرية التجارة ويخالف نصوص المواد 1 و4 و5 و6 و8 من قانون حماية المنافسة، فضلًا عن تعارضه مع المادة 195 من الكتاب الرابع لقانون حماية الملكية الفكرية.


وتشير الشكوى إلى أن هذا النوع من الإجراءات لم تطبقه أي دولة منافسة لمصر في قطاع الفراولة في العالم، وأن فرض شراء الشتلات من جهة واحدة يحول المزارع إلى متلق قسري لمنتج قد لا يرقى إلى المواصفات المطلوبة، الأمر الذي يضاعف الخسائر ويهدد مساحات واسعة من الأراضي المتخصصة في هذا المحصول.


ويمتد غضب المزارعين إلى طريقة تسجيل بعض الأصناف الشهيرة وعلى رأسها «الفورتونا» و«الفيستيفال»، حيث يطالبون بفتح تحقيق موسع حول آلية تسجيلهما بالمخالفة لنص المادة 192 من قانون الملكية الفكرية، مؤكدين أن وجودهما في السوق المصرية لأكثر من خمس سنوات قبل التسجيل يفقدهما شرط «الجدّة» المفترض قانونًا، خصوصًا أن هذه الأصناف رُفع عنها الحماية في الدول المنافسة منذ سنوات طويلة، مما يتيح لتلك الدول ميزة نسبية لا تتوفر للمصريين.


وتتوسع الشكاوى من المصدرين والمزارعين للشركة باستغلال منظومة التكويد لفرض بيع شتلاتها على الجميع، رغم عدم التزامها بتزويد السوق المصري بأحدث الأصناف كما ورد في مذكرة التفاهم.


ويتحدث المصدرون عن رسوم غير مسبوقة تفرضها الشركة على الفراولة المجمدة تحت بند الملكية الفكرية، رغم أن عمليات التجميد تصعب إظهار البصمة الجينية، إلى جانب رسوم إضافية على الفراولة الطازجة تتراوح بين 150 و250 دولارًا للطن، وهي رسوم لا تلتزم بها أي دولة منافسة لمصر في الإنتاج أو التصدير.

ويشير المزارعون كذلك إلى ممارسات احتكارية تتعلق بالقائمة البيضاء للشركات المصدرة، حيث يتم إدراج شركات معينة دون معايير واضحة مع استبعاد أخرى دون أسباب معلنة، في مخالفة صريحة لنصوص المواد 21 و22 و22 مكرر و23 و24 و25 من قانون حماية المنافسة.

ويتهم مقدمو الشكوى الشركة بممارسة تضييقات أخرى تمس مباشرة حقوق المزارعين والمصدرين، مثل تحديد مواعيد لتصدير الشتلات رغم أنها لا تلتزم بهذه المواعيد لنفسها، إضافة إلى إجبار المصدرين المصريين على دفع رسوم الملكية الفكرية إلى حسابات بنكية في قبرص بالدولار، في تجاوز صريح للقوانين المصرية.


كما يلفت المزارعون إلى الفارق الكبير بين تكلفة إنتاج شتلة الفراولة محليًا والتي لا تتجاوز جنيهًا واحدًا في المتوسط، وبين سعر بيع الشتلة من الشركة الذي يصل إلى 8 جنيهات، دون وجود تفسير واضح للفارق الضخم سوى أنه عبء إضافي يقع بالكامل على عاتق المزارع.

ورغم أن الفراولة تُعد أحد أهم المحاصيل التي حققت لمصر نجاحًا عالميًا على مدار السنوات الماضية، إذ تستحوذ البلاد على ربع صادرات العالم من الفراولة المجمدة وتحتل المركز الأول في تصدير المصنعات والثالث عالميًا في الإنتاج منذ 2019، إلا أن هذه التحديات المتصاعدة باتت تهدد تنافسية القطاع بالكامل، إذ تؤثر على جودة المنتج، وتربك عمليات البيع والشراء، وترفع التكلفة على المزارع، وتعرقل حركة التصدير في أسواق مصر التقليدية.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع القرارات الصادرة من الحجر الزراعي، وعلى رأسها اشتراط وجود فاتورة شتلات من الوكيل للحصول على التكويد، وهو شرط يحرم أكثر من 90% من المساحات المنزرعة  التي تعتمد على شتلات محلية من دخول منظومة التكويد، بما يتعارض مع توجه الدولة نحو تتبع جميع المزارع لرفع جودة المنتج المصري.

كما يشكو المزارعون من قرار عدم تكويد المساحات الصغيرة رغم أنها تمثل 70% من الإنتاج الأعلى جودة، إضافة إلى اشتراطات معقدة تتعلق بعقود الملكية والإيجار والشهادات الرسمية التي يصعب توفيرها في كثير من المناطق، فضلًا عن تكاليف التحاليل المتعددة التي تتحملها الشركات المصدرة وتُخصم في النهاية من المزارع.

أما القرار الأكثر جدلًا فيتعلق بوقف تصدير شتلات الفراولة خلال الفترة من يناير إلى أغسطس، وهو القرار الذي أدى بحسب الشكوى إلى تعطيل شركات مصرية كانت رائدة في تصدير الشتلات لأكثر من عشرين عامًا، بينما منح فرصة كاملة لشركة أجنبية للاستحواذ على الأسواق التي بنتها الشركات المصرية بجهدها، في سابقة لا تشهدها الدول المنافسة مثل إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وهولندا.

وفي ظل هذا الوضع المتشابك، يطالب المزارعون والمصدرون القيادة السياسية بالتدخل لمراجعة القرارات الصادرة عن وزارة الزراعة، ووضع إطار يحمي الحقوق القانونية للمربين وأصحاب الأصناف دون الإضرار بالمزارع أو تعطيل حركة التصدير، مع توفير دعم فني ولوجستي وتمويلي يمكن أن يعيد الانضباط للمنظومة بأكملها ويضمن استمرار ريادة مصر في سوق الفراولة عالميًا، كما يدعون إلى إنشاء مجلس نوعي لمنتجي ومصدري الفراولة يتولى تنظيم القطاع والتنسيق بين أطرافه، بما يتيح بناء منظومة أكثر عدالة وشفافية وقدرة على المنافسة.