رغم أن فصل الشتاء هذا العام لا يتجاوز 88 يومًا فلكيًا، إلا أن تأثيراته المناخية على الزراعة المصرية تبدو أعمق وأشد من حسابات الزمن، في ظل حالة من عدم الاستقرار الجوي والتقلبات الحادة التي تفرض نفسها على المشهد الزراعي، وتضاعف من مخاطر الإنتاج وتكلفة المواجهة على المزارعين.
قال الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، إن فصل الشتاء فلكيًا بدأ اليوم ويستمر حتى الجمعة 20 مارس 2026، مؤكدًا أن عدد أيامه لا يعكس بالضرورة حجم تأثيره الحقيقي، خاصة على القطاع الزراعي الذي سيتحمل أعباء مناخية واقتصادية مضاعفة خلال هذه الفترة.
دفء خادع نهارًا وصقيع محتمل ليلًا
وأوضح فهيم أن الشتاء الحالي يتسم بعدم استقرار حاد، حيث تشهد البلاد تذبذبًا واضحًا في درجات الحرارة بين دفء نهاري خادع وبرودة ليلية شديدة، مع احتمالات وصول درجات الحرارة في بعض الليالي إلى أقل من 4 درجات مئوية، وحدوث صقيع في مناطق الدلتا وشمال الصعيد والواحات، وهو ما يرفع معدلات الخطورة على المحاصيل الشتوية والبستانية.
المرتفع السيبيري واللانينيا يفرضان سيطرتهما
وأشار رئيس مركز معلومات تغير المناخ إلى أن سيطرة الكتلة الهوائية الشمالية الباردة والمرتفع السيبيري على الأجواء، بالتزامن مع عودة ظاهرة اللانينيا، تنعكس في صورة موجات برد مفاجئة، وشبورة مائية كثيفة خلال ساعات الصباح، إلى جانب اضطرابات جوية متقطعة قد يصاحبها أحيانًا سقوط أمطار رعدية قصيرة لكنها مؤثرة.
أمطار مفاجئة تزيد ارتباك القرار الزراعي
وأضاف فهيم أن الأمطار هذا الشتاء ليست غزيرة في المجمل، لكنها حين تهطل تكون عنيفة ومفاجئة نسبيًا، ما يخلق حالة من عدم اليقين المناخي، ويصعّب على المزارعين اتخاذ قرارات إنتاجية مستقرة، خاصة فيما يتعلق بمواعيد الري، وبرامج التسميد، وخطط مكافحة الآفات.
البرودة تُضعف كفاءة امتصاص العناصر الغذائية
وأكد أن الانخفاض الحاد والسريع في درجات الحرارة يؤدي إلى تراجع كفاءة امتصاص العناصر الغذائية داخل النبات، مع بطء حركة عناصر أساسية مثل الكالسيوم والفسفور والماغنسيوم، وهو ما يستلزم إعادة ضبط البرامج السمادية لتتناسب مع الأجواء الباردة، بهدف تقليل الخسائر الإنتاجية والحفاظ على كفاءة النمو.
رياح نشطة وآفات اقتصادية متحفزة
وحذر فهيم من نشاط ملحوظ للرياح خلال فترات متقاربة وبسرعات أعلى من المعتاد، ما يرفع معدلات البخر–نتح، ويُحدث تأثيرات ميكانيكية سلبية على النباتات، فضلًا عن تهيئة بيئة مناسبة لانتشار آفات اقتصادية مؤثرة مثل التربس، والحلم الدودي، والأكاروس، مؤكدًا أن المحاصرة المبكرة لهذه الآفات تمثل عنصرًا حاسمًا في خفض تكلفة المكافحة لاحقًا.
أمراض فطرية تهدد المحاصيل الشتوية
وفيما يتعلق بالتأثيرات المرضية، أشار إلى أن تذبذب درجات الحرارة وارتفاع الرطوبة النسبية يرفعان احتمالات الإصابة بعدد من الأمراض الفطرية الخطيرة، من بينها اللفحة المتأخرة، والعفن الرمادي، والبياض الدقيقي، واللطعة الأرجوانية، ما يتطلب تشديد الإجراءات الوقائية والعلاجية خلال هذه المرحلة الحرجة من الموسم الزراعي.
القمح والبطاطس والفراولة تحت المجهر
وحول المحاصيل الاستراتيجية، أوضح فهيم أن القمح المزروع متأخرًا يحتاج إلى معاملات خاصة لتحسين الإنبات في الأجواء الباردة، بينما تتطلب محاصيل البطاطس والخضر والفراولة الاعتماد على معدلات أعلى من الفسفور لدعم النمو الجذري، مشيرًا إلى أن محاصيل الزيتون مرشحة لموسم تزهير مبكر نتيجة انخفاض احتياجات البرودة عن المعدلات الطبيعية.
رسالة تحذير للمزارعين
واختتم رئيس مركز معلومات تغير المناخ تصريحاته بالتأكيد على أن شتاء هذا العام، رغم قصره الزمني، يعد ثقيلًا في حساباته على المزارع المصري، مشددًا على أهمية المتابعة اليومية للتغيرات الجوية، وعدم التسرع في اتخاذ القرارات الزراعية، خاصة فيما يتعلق باستخدام كاسرات السكون أو برامج التسميد والمكافحة.