تبحث لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، في اجتماعها الثامن والأخير خلال 2025، مصير الفائدة على الإيداع والإقراض، الذي يعقد الخميس المقبلـ وسط انقسام في آراء المصرفيين والمؤسسات المالية حول القرار الأنسب.
ويرى الخبراء بعدد من المؤسسات المالية أن المناخ الاقتصادي بات مهيئًا لاستئناف التيسير النقدي بخفض الفائدة، مدفوعًا بتراجع معدلات التضخم، وتحسن مؤشرات أداء مختلف القطاعات، إلى جانب المتغيرات الخارجية وعلى رأسها توجهات السياسة النقدية العالمية.
في المقابل يفضل فريق آخر من الخبراء التريث لضمان مسار مستقر في 2026، دون صدمات تضخمية، تزامنًا مع قرب استحقاق شهادات العائد المرتفع.
ومنذ بداية 2025، عقدت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي 7 اجتماعات، تنوعت قرارتها خلالها بين تثبيت الفائدة وخفضها، ليصل إجمالي الخفض لنحو 6.25% على مدار العام، وصولًا بالعائد على الإيداع إلى 21%، وعلى الإقراض إلى 22%.
في الوقت ذاته شهدت معدلات التضخم هبوطًا تدريجيًا، منذ بداية 2025 أيضًا، على الرغم من ارتفاعه الطفيف خلال الشهرين الماضيين، لكن هذا الارتفاع لم يمنع بقاءه في النطاق الآمن وغير المؤثر، قريبًا من المستويات المستهدفة من قبل البنك المركزي والحكومة.
التثبيت يضمن مسارا آمنا في 2026
«الأهلي لإدارة الاستثمارات المالية»: احتمالات التثبيت أقرب بنسبة 60%
توقع محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي لإدارة الاستثمارات المالية، أن تتخذ لجنة السياسة النقدية، في اجتماعها المقبل، قرارا بالإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير، معتبرا أن هذا السيناريو الأقرب للحدوث بنسبة تصل إلى 60%، مقابل 40% فقط لتوقع الخفض بنسبة 1%.
وأضاف أن توقع التثبيت يستند إلى قراءات التضخم الأخيرة جاءت متعارضة ففي حين انخفض معدل التضخم العام مدعوم بتراجع السلع الغذائية وهي سلع متقلبة، إلا أن معدل التضخم الأساسي باستبعاد تلك السلع شهد ارتفاع بشكل طفيف خلال الشهر الماضي، إلى جانب أننا لم نعد بعد لمستوى أغسطس المنخفض، هو نفسه ما دفع البنك المركزي للتثبيت في المرة السابقة، ولا يزال قائما اليوم.
_2926_033943.jpg)
ويرى نجلة أنه من الأفضل اختتام عام 2025 عند هذا المستوى من الفائدة دون تغيير، ومع دخول العام الجديد 2026 والمتوقع مع بدايته انخفاض معدل التضخم لدون مستوى الـ10% مدعوم بسنة الأساس، سيتسع معدل الفائدة الحقيقي مما يمنح البنك المركزي مساحة أكبر لاستكمال دورة التيسير النقدي بشكل متتالي ومدروس على مدار العام.
ومن العوامل الحاسمة التي ترجح كفة التثبيت، السيولة الضخمة المتوقعة مع قرب استحقاق الشهادات مرتفعة العائد ذات الـ 27% مطلع العام القادم، فالحفاظ على معدل فائدة مرتفعة نسبيا ضروري لاحتواء هذه الأموال وعودتها مرة أخرى للقطاع المصرفي في منتجات أخرى ومنع اى انعكاسات تضخمية محتملة لضخها في السوق.
وأكد أن الهدف الاستراتيجي يتجاوز قرار الاجتماع القادم، قائلا: "هدفنا ضمان أن يسير عام 2026 في انخفاضات متتالية ومستقرة للتضخم، دون مفاجآت، لذلك، لا داعي للتعجل الآن"، مضيفا أن مصر لا تزال سوقا جاذبة للتدفقات الأجنبية، حيث أن العائد الحقيقي الموجب المرتفع (الذي يقدره بنحو 8.5%) سيبقى جذابا حتى مع خفض محتمل بـ1%.
واختتم نجلة تصريحاته أرى أن أسباب التثبيت أقوى في هذا الاجتماع، لضمان مسار آمن ومضمون العواقب للسياسة النقدية على المدى المتوسط، وبدء رحلة الخفض المنهجية مع مطلع 2026.
«نعيم للوساطة»: تراجع التضخم يدعم الاتجاه إلى التيسير بنسبة 0.5%
بدورها قالت سلمى طه حسين مدير إدارة البحوث بـ نعيم للوساطة فى الأوراق المالية، إن البيانات الاقتصادية الحالية تعتبر بيئة داعمة للبنك المركزي المصري لخفض سعر الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس في اجتماعه القادم، فقد انخفض التضخم السنوي في المناطق الحضرية انخفاضا حادا إلى 12.3% في نوفمبر، متجاوزا توقعات السوق ومواصلا بذلك اتجاه انخفاض التضخم الأخير.
وأضافت أنه على أساس شهري، انخفضت الأسعار بنسبة 0.2%، ويشير هذا المزيج من انخفاض التضخم تراجع ضغوط جانب العرض واستقرار توقعات التضخم تدريجيا، مما يقلل بشكل كبير من حاجة البنك المركزي المصري إلى الإبقاء على سياسته النقدية الحالية المتشددة.

وبحسب مدير إدارة البحوث بـ«نعيم للوساطة» في الأوراق المالية، تظهر مؤشرات النشاط المحلي تحسنا واضحا، فقد سجل القطاع الخاص غير النفطي أكبر تحسن له منذ أكثر من خمس سنوات، حيث ارتفع مؤشر مديري المشتريات إلى 51.1، مقارنة بـ 49.2 في أكتوبر، كما انخفاض معدل التضخم في مؤشر مديري المشتريات يعزز إشارة انخفاض التضخم الواردة من بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مما يمنح البنك المركزي المصري ثقة إضافية بأن سياسة التيسير النقدي المدروسة بعناية لن تؤدي إلى دورة تضخمية جديدة.
وأشارت إلى انه على الصعيد الخارجي أصبح المناخ النقدي العالمي أكثر دعما، فقد خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة القياسي بمقدار 25 نقطة أساس، ليصل النطاق إلى 3.50-3.75%، مشيرا إلى تباطؤ نمو الوظائف، وارتفاع معدلات البطالة، وتزايد مخاطر التضخم، ويخفف هذا التحول الضغط على الأسواق الناشئة، بما فيها مصر، للحفاظ على فرق أسعار الفائدة الواسعة، ويحسن جاذبية عوائد الأسواق الناشئة حتى مع خفض سعر الفائدة بشكل مدروس.
كما أن سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأكثر مرونة تعزز بشكل كبير من مرونة البنك المركزي المصري، وتقلل من مخاطر تدفقات رأس المال إلى الخارج المرتبطة بخفض طفيف في سعر الفائدة.
وبالنظر إلى كل ذلك، فإن الجمع بين التضخم الأقل من المتوقع، والانكماش الشهري في فئات المواد الغذائية الرئيسية، وأول توسع في مؤشر مديري المشتريات منذ فبراير، وسياسة الاحتياطي الفيدرالي الأكثر تيسيرا، يوفر مناخا اقتصاديا كليا للبنك المركزي المصري لبدء خفض سعر الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس مع الحفاظ على استقرار الأسعار والتوازن الخارجي، وفقا لبحوث نعيم للوساطة في الاوراق المالية.
عربية أون لاين: الـخفض بين 0.5% و1% السيناريو الأرجح
واتفق معها في الرأي مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث بشركة عربية أونلاين لتداول الأوراق المالية، متوقعا أن يواصل البنك المركزي المصري انتهاج السياسة النقدية التوسعية خلال اجتماعه الأخير لعام 2025، مرجحا أن يتجه القرار نحو خفض أسعار الفائدة.
قدر رئيس قسم البحوث بشركة عربية أونلاين لتداول الأوراق المالية، نسبة الخفض المتوقعة في أسعار الفائدة بما يتراوح بين 50 إلى 100 نقطة أساس (أي ما بين 0.5% إلى 1%)، واستند في توقعاته إلى عدة عوامل داعمة لقرار الخفض.

وتابع، لعل أبرز هذه العوامل قرار الاحتياطي الفيدرالي الأخير بخفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس والذي يمنح البنك المركزي المصري أريحية أكبر في اتخاذ قرار مماثل، فضلا عن تراجع التضخم حيث أن قراءات التضخم لشهر نوفمبر شهدت انخفاضا، مؤكدا أن المسار العام للتضخم يتخذ اتجاها هبوطيا خلال الفترة المقبلة.
وأشار شفيع إلى أن الأسواق قد استوعبت بالفعل الآثار التضخمية الناتجة عن تحريك أسعار الوقود، مما يعني زوال هذا التأثير كمصدر ضغط جديد، فضلا عن استقرار سعر الصرف وتوفر السيولة من العملات الأجنبية المختلفة وعلى رأسها الدولار مما يعزز من قدرة المركزي على اتخاذ قرار خفض الفائدة.
أحمد مجدي منصور: انخفاض الفائدة يخفف أعباء الدين العام
من جهته أبدى الدكتور أحمد مجدي منصور، الخبير المصرفي، اتفاقه مع الرأي الداعم لاتخاذ قرار بخفض الفائدة، متوقعا أن يتجه البنك المركزي المصرفي لمواصلة سياسات التيسير النقدي، وخفض سعر الفائدة على الإيداع والإقراض بمقدار 50-100 نقطة أساس في الاجتماع المقبل.
وأضاف أن هناك عدد من الأسباب تفتح الباب أمام البنك المركزي لخفض الفائدة لعل أبرزها تراجع التضخم إلى 12.3% في نوفمبر 2025، وتحسن سعر الصرف والتدفقات النقدية الأجنبية، فضلا عن قرار الفيدرالي الأمريكي بخفض الفائدة في ديسمبر 2025.

وأشار إلى أن خفض الفائدة يقلل عبء خدمة الدين العام بمقدار 45.8 مليار جنيه سنويا لكل خفض 1%، وكذلك زيادة الاستثمارات وتحفيز النمو الاقتصادي، إلى جانب تخفيف الضغط على الموازنة العامة للدولة.
يشار إلى أنه في وقت سابق، عدل البنك المركزي المصري توقعاته لمتوسط معدل التضخم العام إلى حوالي 14% في 2025، بدلا من 15% في توقعات سابقة ليقترب من مستهدفه بحلول الربع الرابع من 2026.