الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
دولار دولار

المركز المصري للدراسات الاقتصادية

تقرير: مصر تبدأ رحلة التعافي الاقتصادي

أصدر المركز المصري للدراسات الاقتصادية تقريرا بعنوان: "لقطة عن الأسواق المالية – العدد 24"، الذي يقدم قراءة معمّقة لحركة الأسواق المالية العالمية والناشئة، ويرصد بدقة مسار انتقال التأثيرات الاقتصادية بين الاقتصادات الكبرى والأسواق الصاعدة، وانعكاس ذلك على الوضع الاقتصادي والمالي في مصر، في توقيت تتراجع فيه موجة التضخم عالميًا دون أن تختفي المخاطر الهيكلية والجيوسياسية التي تهدد استدامة هذا التحسن.

ويعتمد التقرير، الذي حصلت "عالم المال" على نسخة منه، على منهج وصفي تحليلي يهدف إلى تشخيص الوضع الراهن للأسواق دون تقديم توقعات مستقبلية أو توصيات سياسية، لكنه يوضح كيف أن التغيرات في السياسات النقدية وأسعار الفائدة وأسواق السلع والديون لا تعمل في عزلة، بل تنتقل عبر سلسلة مترابطة تبدأ من الاقتصادات المتقدمة، مرورًا بالأسواق الناشئة، وصولًا إلى الاقتصاد المصري، الذي يبقى شديد الحساسية لأي تحولات خارجية.

ويشير التقرير إلى أن الأسواق العالمية بدأت تظهر خلال ديسمبر 2025 ملامح تهدئة نسبية بعد فترة طويلة من الضغوط، مدفوعة بتراجع تدريجي في أسعار السلع الأساسية، وعلى رأسها الطاقة، إلى جانب انحسار نسبي لمعدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى، ما فتح الباب أمام بداية دورة تيسير نقدي محدودة من قبل بعض البنوك المركزية، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك كندا، في حين فضّلت بنوك مركزية أخرى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في ظل استمرار حالة عدم اليقين.

وتعكس حركة أسواق السلع هذا المشهد المركب، إذ استقرت أسعار النفط عند مستوياتها الأخيرة رغم استمرار المخاطر الجيوسياسية، بينما واصل الذهب التداول عند مستويات مرتفعة بدعم من الطلب على الملاذات الآمنة، في وقت أظهرت فيه السلع الزراعية أداءً متباينًا، مع ارتفاع أسعار القمح مقابل زخم محدود لبقية المحاصيل، وهو ما يعكس اختلالات مستمرة في سلاسل الإمداد وتباين أوضاع العرض والطلب عالميًا.

 

على صعيد الاقتصاد الكلي

 

وعلى صعيد التضخم وأسعار الفائدة، يوضح التقرير أن وتيرة تراجع التضخم لم تكن متساوية بين الاقتصادات الكبرى، حيث شهدت الولايات المتحدة ومنطقة اليورو اعتدالًا إضافيًا في الضغوط السعرية، بينما ظل التضخم في المملكة المتحدة أكثر تصلبًا، في حين بقي الاقتصاد الصيني قريبًا من الانكماش، ما يعكس ضعف الطلب المحلي وتراجع ثقة المستهلكين. 

هذه التباينات دفعت إلى سياسات نقدية غير متجانسة، وأسهمت في تراجع الدولار الأمريكي أمام عدد من العملات العالمية، ما أعاد تشكيل خريطة التدفقات المالية العالمية.

وفي ظل هذه التطورات، واصلت أسواق الأسهم العالمية تسجيل أداء متباين، إذ استقرت الأسهم الأمريكية قرب مستويات قياسية مستفيدة من التخفيضات السابقة في أسعار الفائدة، في حين ظلت الأسواق الأوروبية تحت ضغط المخاوف المتعلقة بالنمو، بينما واصلت الأسهم الصينية الأداء الضعيف نتيجة هشاشة الطلب الداخلي ومحدودية أدوات التحفيز. 

في المقابل، أظهرت أسواق السندات العالمية قدرًا من الاستقرار، مع تراجع مقايضات التخلف عن السداد في معظم الاقتصادات الكبرى، بما يعكس تحسنًا نسبيًا في شهية المخاطرة رغم استمرار التوترات الجيوسياسية.

 

 

الأسواق الناشئة والسوق المصرية

أما الأسواق الناشئة، فيرصد التقرير تحسنًا عامًا في معنويات المستثمرين مدفوعًا بتراجع التضخم في عدد من الدول واستقرار الأوضاع المالية العالمية نسبيًا، وهو ما انعكس في أداء إيجابي لأسواق الأسهم وتعزز معظم العملات المحلية أمام الدولار، باستثناء حالات محدودة مثل الريال البرازيلي الذي واصل الضغوط تحت وطأة التضخم. 

وعلى مستوى السياسة النقدية، ظلت البنوك المركزية في الأسواق الناشئة حذرة، مع شروع بعض الدول في خفض تدريجي لأسعار الفائدة، بينما فضلت أخرى التثبيت في ظل حساسية تدفقات رؤوس الأموال للمخاطر العالمية.

وفيما يتعلق بالسوق المحلية المصرية، يبرز التقرير مفارقة واضحة بين تحسن مؤشرات الثقة المالية من جهة، واستمرار الضغوط الهيكلية من ناحية أخرى. 

فعلى الرغم من الارتفاع المستمر في إجمالي الدين الخارجي، وتزايد أعباء خدمة الدين، شهدت عوائد السندات المصرية تراجعًا ملحوظًا، كما انخفضت مقايضات التخلف عن السداد إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، في إشارة إلى تحسن نظرة المستثمرين للمخاطر على المدى القصير، مدعومة بترقية التصنيف الائتماني الأخيرة من جانب "ستاندرد آند بورز"، إلى جانب استقرار نظرة "فيتش" و"موديز".

وتعكس المؤشرات الاقتصادية الكلية تحسنًا تدريجيًا في أداء الاقتصاد المصري، مع تسارع نسبي في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأخير، وتراجع الضغوط التضخمية، ما أتاح للبنك المركزي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير بعد التخفيضات السابقة. 

كما حافظ نمو المعروض النقدي على وتيرة مستقرة، بما يدعم أوضاع السيولة دون تأجيج ضغوط سعرية جديدة، في وقت ما تزال فيه البيئة الاقتصادية عرضة للصدمات الخارجية.

 

تحسن مرتقب.. ولكن 

ويشير التقرير إلى أن الوضع الخارجي لمصر واصل التحسن خلال الشهر الماضي (ديسمبر 2025)، مدعومًا بارتفاع الاحتياطيات الأجنبية، وتحسن صافي الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي، واستمرار قوة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، إلى جانب عودة تدريجية لتدفقات استثمارات المحافظ. 

وانعكس ذلك في تعافٍ محدود للجنيه المصري، وفي استمرار الزخم الإيجابي لسوق الأسهم، حيث حافظ مؤشر EGX 30 على مساره الصاعد بدعم من تحسن معنويات المستثمرين.

ويمنح المشهد الاقتصادي الحالي مصر فرصة لالتقاط الأنفاس في ظل بيئة عالمية أقل تشددًا، إلا أن التحسن يظل مرهونًا بقدرة الاقتصاد على إدارة أعباء الدين الخارجي، والحفاظ على استقرار التدفقات الأجنبية، وتعزيز مصادر النمو الحقيقي، فبدون معالجة الاختلالات الهيكلية، قد يتحول هذا الهدوء العالمي من فرصة للنمو المستدام إلى مجرد هدنة مؤقتة أمام موجات جديدة من التقلبات.