الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
الأمن الغذائي الأمن الغذائي

أمن مصر الغذائي 2026.. توازنات الصمود في سوق الحبوب

في وقت تتقاطع فيه التحديات الديموغرافية المتسارعة مع التقلبات المناخية والاقتصادية العالمية، يبرز ملف "الحبوب" كحجر زاوية لا يقبل القسمة على اثنين في معادلة الأمن القومي المصري. 

ومع دخول الموسم التسويقي 2025/2026، ترسم أحدث تقارير وزارة الزراعة الأمريكية ملامح خريطة جديدة للغذاء في مصر؛ خريطة تشهد صراعًا مستمرًا بين طموح التوسع الإنتاجي في محاصيل القمح والأرز، وضغوط الاستهلاك التي يغذيها نمو سكاني لا يتوقف، مما يضع الدولة أمام تحدي الموازنة بين تقليل فجوة الاستيراد وتأمين رغيف الخبز لـ100 مليون مصري.

وفي ظل ضغوط سكانية متصاعدة وتغيرات مناخية واقتصادية متشابكة، تكشف أحدث تقارير وزارة الزراعة الأمريكية عن ملامح مرحلة جديدة في سوق الحبوب المصرية، عنوانها الأبرز: توسع في إنتاج القمح والأرز، مقابل تراجع نسبي في الذرة، مع استمرار الاعتماد الكبير على الواردات لتأمين احتياجات الغذاء والأعلاف.

التقرير، الصادر عن "الخدمة الزراعية الأجنبية" بوزارة الزراعة الأمريكية، يرصد تطورات إنتاج واستهلاك وتجارة القمح والذرة والأرز خلال الموسم التسويقي الحالي 2025/2026، ويقدم قراءة معمقة لتوازنات السوق المصرية في واحدة من أكثر القضايا حساسية للأمن الاقتصادي والاجتماعي.

يتوقع التقرير ارتفاع إنتاج مصر من القمح خلال الموسم التسويقي الحالي 2025/2026 إلى نحو 9.2 مليون طن، بزيادة طفيفة عن الموسم السابق، مدفوعة بتوسع مساحة الحصاد وزيادة الحوافز السعرية التي قدمتها الحكومة للمزارعين، حسب التقرير. 

وتلعب مبادرات مركز البحوث الزراعية دورًا محوريًا عبر خلال التوسع في زراعة القمح على المصاطب وتعميم البذور المعتمدة وإقامة حقول إرشادية، ما يقلل الفاقد ويرفع الإنتاج ويحسن كفاءة استهلاك الموارد المائية في بلد يعاني شح المياه.

ورغم هذا التحسن، يظل الإنتاج المحلي غير كافٍ لتغطية الطلب المتنامي، إذ يُقدَّر إجمالي استهلاك القمح في مصر خلال الموسم الجديد بنحو 20.3 مليون طن، مدفوعًا أساسًا بالنمو السكاني، حيث تجاوز عدد السكان 108 ملايين نسمة، مع توقعات بالوصول إلى 124 مليونًا بحلول 2030، فضلًا عن استضافة البلاد ملايين المهاجرين.

وحسب التقرير، ستبلغ واردات مصر من القمح خلال الموسم التسويقي 2025/2026 نحو 12.7 مليون طن، بزيادة عن الموسم السابق، لتظل مصر واحدة من أكبر مستوردي القمح عالميًا.

ويعود الاعتماد الكبير على الواردات إلى محدودية الإنتاج المحلي مقارنة بحجم الاستهلاك، إلى جانب طبيعة منظومة الدعم، وتبقى روسيا وأوكرانيا والاتحاد الأوروبي الموردين الرئيسيين للقمح إلى السوق المصرية، مستفيدين من قرب المسافة وتنافسية الأسعار وسرعة الشحن.

في المقابل، يشير التقرير إلى تنامي دور القطاع الخاص في استيراد القمح، حيث استحوذ على نحو 69% من إجمالي الواردات خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2025، مدفوعًا بتحسن توافر النقد الأجنبي وتوسع نشاط مطاحن الدقيق الموجهة للتصدير.

يؤكد التقرير أن برنامج دعم الخبز ما يزال حجر الزاوية في السياسة الغذائية المصرية، دون تغييرات جوهرية في هيكله، ويُسمح لكل مستفيد بالحصول على 150 رغيفًا شهريًا، في وقت تتحمل فيه الدولة نحو 85% من تكلفة الإنتاج.

وتكشف الأرقام عن قفزة في فاتورة الدعم، التي ارتفعت من نحو 39.4 مليار جنيه في موازنة 2014/2015 إلى نحو 160 مليار جنيه في مشروع موازنة 2025/2026، مع استفادة قرابة 69 مليون مواطن من الخبز المدعوم.

ورغم أن مصر عززت خلال السنوات الماضية موقعها كمورد إقليمي لدقيق القمح، خاصة للدول المتأثرة بالصراعات، إلا أن التقرير يتوقع تراجع صادرات الدقيق إلى نحو مليون طن خلال الموسم الحالي 2025/2026، متأثرة بالقرار الوزاري رقم 273 لسنة 2025، الذي شدد شروط التصدير وألزم بإيداع كامل الحصيلة الدولارية قبل الشحن.

ويرى التقرير أن تلك الإجراءات تعكس سعي الحكومة لتحقيق توازن بين تلبية احتياجات السوق المحلية والحفاظ على دور مصر التصديري، في وقت بدأت فيه بعض الأسواق التقليدية، مثل السودان، في استعادة قدراتها الإنتاجية.

على عكس القمح، يتوقع التقرير تراجع إنتاج الذرة في مصر خلال الموسم التسويقي الحالي 2025/2026 إلى نحو 6.7 مليون طن، نتيجة موجات الحرارة المرتفعة وانتشار الآفات، إلى جانب تقلص المساحات المزروعة بسبب ارتفاع تكاليف المدخلات وضعف الأسعار قبل الزراعة.

ورغم تحسن الإنتاج للهكتار الواحد (الهكتار الواحد = 2.4 فدان)، يظل الإنتاج المحلي غير قادر على تلبية الطلب المتسارع من قطاع الأعلاف، خاصة مع توسع صناعة الدواجن، التي تستهلك وحدها النسبة الأكبر من الذرة المستخدمة في الأعلاف المركبة.

ويشير التقرير إلى أن قطاع الدواجن سيقود نمو استهلاك الذرة خلال الموسم الجديد، مع توقعات بنموه بنحو 4%، مدعومًا بتحسن توافر العملة الأجنبية وانخفاض تكاليف الأعلاف. 

ويذكر التقرير أن الذرة الصفراء تمثل نحو 70% من تركيبة أعلاف الدواجن في مصر، ما يجعل أي خلل في الإنتاج المحلي سببًا مباشرًا لزيادة الواردات.

ويتوقع التقرير ارتفاع واردات مصر من الذرة إلى نحو 9.5 مليون طن خلال 2025/2026، مع عودة ملحوظة للصادرات الأمريكية إلى السوق المصرية، بعد سنوات من الغياب، مدفوعة بتنافسية الأسعار وتحسن الجودة.

كما يتوقع التقرير أن يسجل إنتاج الأرز المضروب في مصر قفزة واضحة ليصل إلى نحو 4.2 مليون طن خلال الموسم التسويقي الحالي 2025/2026، مدفوعًا بانخفاض تكاليف إنتاجه مقارنة بمحاصيل صيفية أخرى، ما شجع المزارعين على التوسع في زراعته، حتى مع القيود المائية المفروضة.

ويلفت التقرير إلى أن الأرز يظل محصولًا إستراتيجيًا في الدلتا، ليس فقط غذائيًا، بل أيضًا بيئيًا، لدوره في الحد من تملح التربة ومنع تسرب مياه البحر، كما ساهمت الأصناف الجديدة المقاومة للإجهاد الحراري والملوحة في تحسين الإنتاجية وتقليل استهلاك المياه.

ورغم زيادة الإنتاج، يظل استهلاك الأرز مستقرًا نسبيًا عند نحو 4 ملايين طن، مع اتجاه شريحة من المستهلكين، خاصة في القاهرة الكبرى، إلى بدائل نشوية أقل تكلفة مثل البطاطس والمكرونة، في ظل الضغوط المعيشية.

وتبقى أسعار الأرز خاضعة لآليات السوق، حيث تتراوح حاليًا بين 22 جنيهًا للكيلوجرام في المنافذ الحكومية، وتصل إلى 38 جنيهًا في بعض أسواق التجزئة.