الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
حسام هيبة الرئيس السابق للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة مع محررة عالم المال حسام هيبة الرئيس السابق للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة مع محررة عالم المال

حسام هيبة: تجربة الرخصة الذهبية مصدر الإلهام لتطوير آليات العمل الحكومي

حسام هيبة الرئيس السابق للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة:

 

حذفنا 66% من المستندات غير الضرورية لاعتماد الجمعيات العمومية للشركات

 

قانون الشركات الجديد يستهدف تسهيل الدخول للسوق وفق الممارسات العالمية

 

الغزل والنسيج والصناعات الهندسية تقود التحول نحو الاستثمار الصناعي

 

منصة التراخيص تعتمد على أدوات رقمية متقدمة والذكاء الاصطناعي

 

توحيد التراخيص داخل منصة واحدة أنهى التعامل مع عشرات الجهات

 

توحيد أشكال الشركات ضرورة بعد تطور نموذج شركة الشخص الواحد

 

تجربة الرخصة الذهبية مصدر الإلهام لتطوير آليات العمل الحكومي

 

مصر بحاجة لمناطق حرة جديدة لمواكبة الطلب الاستثماري المتزايد

 

التمويل متوافر لكن نقص الفرص القابلة للتنفيذ هو الأزمة الحقيقية

 

الحوافز الاستثمارية المصرية بين الأفضل دوليًا لكن التنفيذ ضعيف

 

التطوير لم يتوقف وميكنة الإجراءات سبقتها إعادة هندسة شاملة

 

التحول الرقمي حسن بيئة العمل ورفع إنتاجية موظفي الحكومة

 

التكنولوجيا تتيح التطوير المستمر دون هدم المنظومة التشريعية

 

إدارة الأصول العقارية عبر الصندوق السيادي أفضل من بيعها

 

الحوار الداخلي مفتاح أي إصلاح حقيقي في مناخ الاستثمار

 

تعديل القوانين وتعزيز المنافسة ضمان حقيقي لتكافؤ الفرص

 

لا حاجة لتشريعات جديدة وقانون الاستثمار الحالي كافٍ

 

وثيقة سياسة ملكية الدولة أعادت تعريف دور الدولة 

 

قال حسام هيبة، رئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة السابق، إن مصر تمتلك مقومات قوية لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، مشيرًا إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التشريعات بقدر ما يرتبط بكفاءة وسرعة التنفيذ على أرض الواقع. 

كما أكد أن تبسيط الإجراءات وإعادة هندستها قبل ميكنتها يمثلان حجر الأساس لتحسين مناخ الاستثمار، لافتًا إلى أن الوقت يُعد تكلفة حقيقية على المستثمر وأن أي تأخير ينعكس مباشرة على حجم العائد وفرص النمو.

وأوضح في حواره مع «عالم المال» أن تجربته في الانتقال من القطاع الخاص إلى موقع صنع القرار أسهمت في ترسيخ فلسفة جديدة لإدارة ملف الاستثمار تقوم على إدارة النتائج لا الإجراءات وتسريع اتخاذ القرار وربط كل خطوة بقيمة مضافة واضحة مع الحفاظ على الدور التنموي للدولة، كما كشف عن كواليس مراجعة الإجراءات داخل هيئة الاستثمار، وإلى الحوار.

كيف أثر انتقالك من القطاع الخاص إلى موقع صنع القرار في رؤيتك لكيفية تسريع الإجراءات؟

تكليفي من الدولة لم يكن بهدف تسريع الإجراءات فقط وإنما إحداث تغيير في الفكر الذي يُدار به ملف الاستثمار فالانتقال من القطاع الخاص إلى موقع صنع القرار حمل معه عقلية مختلفة تقوم على أن الوقت تكلفة حقيقية وأي تأخير ينعكس مباشرة على حجم الاستثمار والعائد منه وبناءً على هذا التكليف تم التركيز على تقليل زمن الإجراءات ورفع كفاءة التشغيل وربط كل خطوة بقيمة مضافة واضحة مع الحفاظ على دور الدولة في تحقيق التنمية وتوفير فرص العمل فالهدف لم يكن إدارة الإجراءات في حد ذاتها بل إدارة النتائج وتسريع اتخاذ القرار بما يخدم مناخ الاستثمار ويشجع مشاركة القطاع الخاص.

ما أبرز مميزات القطاع الخاص التي حرصت على إدخالها في آليات عمل الهيئة العامة للاستثمار؟

ركزت في المقام الأول على العنصر البشري باعتباره المحرك الأساسي لأي عملية تطوير فنجاح أي تغيير في الإجراءات مرهون بقناعة القائمين على تنفيذه ولذلك كان التحدي الأول هو بناء قناعة مشتركة داخل الهيئة وفتح المجال لتبادل الآراء والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة والتي قد تكون في بعض الأحيان أكثر صوابًا وهذا النهج تعلمته في القطاع الخاص حيث تقوم بيئة العمل على الحوار وتقبل النقد وهو ما حرصت على تطبيقه داخل الهيئة منذ البداية ومع استمرار النقاش توصلنا إلى قناعة بأن تبسيط الإجراءات في حد ذاته يُعد إحدى أدوات جذب الاستثمار لأن تحسّن تجربة المستثمر يدفعه لاتخاذ قرار الدخول إلى السوق.

وكيف بدأت خطوات تبسيط الإجراءات داخل الهيئة العامة للاستثمار؟

انطلق العمل من الإجراءات التي تقع ضمن نطاق مسؤولية الهيئة مباشرة باعتبارها الجزء الذي نملك التحكم فيه وعلى الرغم من أن الهيئة تُعد الواجهة الرئيسية أمام المستثمر فإن الواقع يشير إلى وجود أكثر من 40 جهة مختلفة تشارك في إصدار الموافقات والتراخيص وبدأنا بمراجعة تفصيلية لكافة الخدمات التي تقدمها الهيئة، ومن بينها إجراءات توثيق الجمعيات العمومية ومجالس الإدارات والتي كانت تتطلب عددًا كبيرًا من المستندات والخطوات وتستغرق وقتًا طويلًا وبعد مراجعتها من الناحيتين القانونية والعملية تبين أن بعض المتطلبات لم تعد ضرورية إذ كانت قد طُلبت في السابق لأغراض استيضاحية ثم تحولت بمرور الوقت إلى قاعدة عامة.

وما النتائج التي أسفرت عنها مراجعة هذه الإجراءات؟

تم طرح الأمر على الزملاء داخل الهيئة لتحديد المستندات والإجراءات التي يمكن الاستغناء عنها عند اعتماد الجمعيات العمومية للشركات، وأسفر ذلك عن قرار جماعي بحذف نحو 66% من المتطلبات دون أي إخلال بالإطار القانوني، وبمجرد وضوح الرؤية اتخذت قرار فوري بتنفيذ هذه التعديلات وهو ما يعكس فكر القطاع الخاص القائم على سرعة اتخاذ القرار عند توافر المعلومات الكافية، وقد أحدث هذا الإجراء أثرًا إيجابيًا سريعًا انعكس على تجربة المستثمرين.

هل توقفت عملية التطوير عند هذا الحد؟

ولم تتوقف عملية التطوير بل تبين أن هناك فرصًا إضافية للتحسين تتطلب التنسيق مع جهات وهيئات أخرى ومن هنا بدأنا المرحلة الثانية والتي تمثلت في ميكنة الإجراءات على أن يسبقها تبسيط، وإعادة هندسة هذه الإجراءات لضمان كفاءتها قبل تحويلها إلى منظومة رقمية وفي هذا الإطار تم إطلاق مشروع إعادة هندسة الإجراءات وإنشاء منصة موحدة للتراخيص والموافقات الخاصة بمزاولة الأنشطة الاستثمارية وقد قمت بتوقيع العقود الخاصة بالمشروع قبل مغادرتي الهيئة.

وما طبيعة وحجم التحدي المرتبط بملف التراخيص؟

نتعامل مع اقتصاد متنوع وواسع النطاق حيث يتجاوز عدد الأنشطة الاقتصادية 340 نشاطًا رئيسيًا يندرج تحت كل منها عدد كبير من الأنشطة الفرعية ولكل نشاط متطلبات ورسوم مختلفة وكانت إحدى الإشكاليات الرئيسية تتمثل في عدم وجود حصر شامل ومتكامل لكافة هذه التراخيص والرسوم وهو ما تطلب جهدًا كبيرًا لتوثيقها وحصرها بالتعاون مع مختلف أجهزة الدولة.

كيف تم التعامل مع هذا التعقيد؟

جرى العمل على حصر جميع الأنشطة والتراخيص والرسوم من خلال إعادة هندسة الإجراءات وبالتنسيق مع الوزارات والجهات المعنية بإصدار الموافقات، وكان الهدف النهائي هو توحيد جميع هذه الإجراءات داخل منصة إلكترونية واحدة، تتيح للمستثمر معرفة المتطلبات وتقديم الطلبات، وسداد الرسوم والحصول على التراخيص دون الحاجة إلى التعامل المباشر مع أكثر من جهة.

نود أن نعرف كيف تم تصميم المنصة الموحدة لتنفيذ رؤية الهيئة في تبسيط إجراءات الاستثمار؟

تقوم المنصة على تمكين المستثمر من تحديد نشاطه ومتطلباته إلكترونيًا باستخدام أدوات رقمية متقدمة بما في ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي، ثم استكمال الإجراءات وتحميل المستندات وسداد الرسوم وصولًا إلى إصدار الترخيص، وهذا المشروع تطلب وقتًا وجهدًا كبيرين لتوحيد الرؤى بين مختلف الجهات واستغرق العمل التحضيري له ما يقرب من عامين.

وإلى أين وصل المشروع قبل مغادرتكم الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة؟

تم توقيع عقود التنفيذ مع الشركة المنفذة وهي مصرية قبل مغادرتي الهيئة مع وضع جدول زمني للتنفيذ 18 شهرًا، والمشروع في صورته المستهدفة يعد من المشروعات المتقدمة وغير موجود في دول عالمية من حيث درجة التكامل بين الجهات المختلفة.

على ضوء تجربتكم في قيادة ملف الإصلاح الإداري.. هل ترون أن الميكنة وحدها كافية لتحسين مناخ الاستثمار؟

الميكنة في حد ذاتها ليست الهدف، بل هي وسيلة للوصول إلى هدف أكبر وهو تيسير بيئة الأعمال والهدف الأساسي هو تسهيل الإجراءات على المستثمر بحيث لا يضطر إلى إضاعة وقت طويل أو بذل جهد كبير أو دفع تكاليف غير واضحة ومن هنا يأتي دور الميكنة كأداة لتبسيط الخدمة سواء عند استخراج رخصة أو بدء نشاط أو الحصول على موافقة.

وكيف ترجمت إعادة هندسة الإجراءات إلى نتائج ملموسة على الأرض؟

نحن ننظر إلى مواضع الصعوبة في الإجراءات ونعمل على تبسيطها فقد يكون هناك إجراءً يتطلب 30 مستندًا فنراجعه ونختصره إلى 9 فقط، وهنا نكون خفضنا الوقت والجهد وعدد المستندات، فيصبح طالب الخدمة أكثر رضا ومقدم الخدمة الحكومي أيضًا يستفيد لأن عبء العمل يقل والموظف الذي كان يراجع 30 ورقة أصبح يراجع 9 فقط، وبالتالي تزيد كفاءة التشغيل ويرتفع عدد المتعاملين الذين يمكن خدمته يوميًا.

ماذا غير التحول الرقمي في بيئة العمل داخل الجهات المانحة للتراخيص؟

كذلك التحول الرقمي يقلل التكدس داخل الجهات الحكومية وبدلًا من حضور آلاف الأشخاص إلى مقر واحد، يمكنهم تقديم الطلبات إلكترونيًا ما يتيح بيئة عمل أفضل للموظف، ويزيد إنتاجيته إذن المنظومة لا تقوم فقط على تعيين أشخاص أكفاء بل على مكان مناسب وأدوات حديثة وإجراءات مبسطة، وهذه هي فلسفة إعادة هندسة الإجراءات.

وكيف ساعدت التكنولوجيا في تحقيق التوازن بين التطوير والاستقرار التشريعي؟

التكنولوجيا تساعدنا في هذا الاتجاه لأنها تتيح مرونة في التطوير المستقبلي دون هدم كامل للمنظومة، والمهم ألا نكتفي بتحويل الإجراءات الورقية إلى رقمية فقط لأن هذا يعني أننا أنفقنا أموالًا دون تحقيق فائدة حقيقية والمطلوب هو تبسيط الإجراء أولًا ثم ميكنته.

برأيك كيف أثرت تجربة الرخصة الذهبية على آليات العمل في هيئة الاستثمار؟

هذه التجربة كانت مصدر إلهام لتطوير آليات العمل الحكومي نفسها فالفكرة لم تكن في المشروع فقط بل في سرعة الإجراءات وسهولة التعامل وهو ما انعكس على التفكير في إنشاء منصات رقمية موحدة تُيسر رحلة المستثمر بحيث تصبح الإجراءات أوضح وأسرع من خلال نظام مترابط بدل التنقل بين جهات متعددة.

من واقع خبرتكم.. كيف يمكن إدارة توقعات المستثمرين تجاه سرعة الإصلاح الإداري؟

المهم هنا هو إدارة التوقعات بواقعية فإذا وضعت هدفًا غير قابل للتحقيق فقد تحقق تقدمًا فعليًا لكن تشعر بالفشل لأنك لم تصل إلى السقف المثالي لذلك نضع أهدافًا واقعية مع قدر من الطموح نحققها أولًا ثم نرفع السقف تدريجيًا وبهذه الطريقة نصل في النهاية إلى المستوى الذي نطمح إليه ولكن عبر مسار مستدام ومدروس.

وكيف يمكن أن تشجع الدولة الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص في إدارة المشروعات الكبرى؟

الدولة بالفعل تحركت في هذا الاتجاه عبر منهج واضح ومعلن وأهم خطوة في هذا المسار كانت وثيقة سياسة ملكية الدولة، فهذه الوثيقة حددت بصورة صريحة القطاعات التي ستظل الدولة متواجدة فيها خاصة ما يتعلق بالأمن القومي، مثل الصناعات الحربية وبعض المرافق الاستراتيجية وهو أمر طبيعي ومشروع وفي المقابل أوضحت الوثيقة القطاعات التي ستنسحب منها الدولة والقطاعات التي ستوجد فيها بالشراكة مع القطاع الخاص، والرسالة هنا كانت واضحة وهي أن الدولة تفسح المجال للقطاع الخاص للعمل في النسبة الأكبر من الأنشطة الاقتصادية مع تقليص وجودها المباشر وهو ما يعكس تحولًا من دور "المنافس" إلى دور المنظم والشريك.

وما الضمانات الفعلية لمبدأ تكافؤ الفرص بين الدولة والقطاع الخاص؟

لتعزيز هذا التوجه تم اتخاذ خطوات لضمان تكافؤ الفرص ومن بينها تعديل القوانين التي كانت تمنح بعض الكيانات الاقتصادية التابعة للدولة مزايا تنافسية، حيث تم إلغاء هذه الامتيازات كذلك تم دعم دور جهاز حماية المنافسة، وتحديث تشريعاته بما يتماشى مع المعايير الدولية لضمان أن تحكم السوق قواعد المنافسة العادلة دون أفضلية لجهة على حساب أخرى.

وما الآليات التي تم وضعها لتطبيق الشراكة على أرض الواقع؟

على مستوى التنفيذ فهناك آليات مؤسسية واضحة للشراكة أبرزها وحدة مشاركة القطاع الخاص  PPP Unit  بوزارة المالية، والتي تضع معايير وإجراءات طرح المشروعات بنظام الشراكة، ومن خلال هذه الوحدة تم طرح مشروعات في قطاعات مثل محطات الكهرباء وتحلية المياه والمستشفيات والمدارس بحيث تظل الأصول مملوكة للدولة بينما يتولى القطاع الخاص الإدارة والتشغيل وفق معايير أداء واضحة.

نريد معرفة كيف يتم التعامل مع الأصول العقارية للدولة في إطار هذه الشراكات؟

تمثل الثروة العقارية للدولة جزءًا مهمًا من الموارد الوطنية وفي بعض الحالات لا يكون بيع الأصول مجديًا اقتصاديًا، مثل: مباني وزارة الخارجية ومباني الوزارات في وسط البلد، لذلك تم وضع هذه الأصول تحت إدارة الصندوق السيادي المصري، بحيث يشارك في المشاريع دون بيع الأصول ويقوم القطاع الخاص بتطويرها وإدارتها بما يخدم الخطة الاقتصادية مثل تطوير السياحة وتقديم منتجات عالية الجودة تجذب السياح بما يسهم في زيادة العوائد وتقليل الفجوة التمويلية.

وما دور الصندوق السيادي المصري في تعزيز هذه الشراكات؟

يلعب الصندوق السيادي المصري دورًا مهمًا في تعظيم الاستفادة من أصول الدولة غير المستغلة، فبدلًا من بيع هذه الأصول يتم إدخالها كشراكات استثمارية مع القطاع الخاص بهدف تطويرها وتحقيق عائد مستدام طويل الأجل فالصندوق لا يستهدف الربح السريع بل يركز على استدامة العائد وتعظيم قيمة الأصول لصالح الأجيال القادمة وهو ما يعكس فكرًا استثماريًا مؤسسيًا طويل المدى.

هل ما زالت هناك تحديات تواجه هذه الشراكات؟

بطبيعة الحال ما زالت هناك تحديات إجرائية تتعلق بالروتين وبسرعة الدورة المستندية والحصول على الموافقات لكن العمل جارٍ على تبسيط هذه الإجراءات وتقليل مدتها في المجمل ويمكن القول إن الإطار التشريعي والمؤسسي للشراكة أصبح موجودًا وواضحًا والدولة تتحرك تدريجيًا من دور المنفذ إلى دور الشريك والمنظم الذي يتيح للقطاع الخاص قيادة الإدارة والتشغيل في العديد من المشروعات الكبرى.

بما أنك أدرت صناديق استثمارية.. كيف تقيم مسألة توافر تمويل المشروعات في مصر حاليًا؟

التمويل في حد ذاته ليس أزمة في مصر حاليًا، فالمال متوافر محليًا وعالميًا ويجري دائمًا خلف الفرص الجيدة فالتحدي الحقيقي يتمثل في ندرة الفرص القابلة للتنفيذ بسبب تعقيد الإجراءات وطول الموافقات وضعف سرعة التنفيذ كما أن حجم الأموال داخل النظام المصرفي الرسمي لا يتناسب مع حجم الفرص المتاحة ما يخلق فجوة تمويلية يتم تعويضها بالاستثمار الأجنبي في حين توجد سيولة ضخمة داخل الاقتصاد غير الرسمي تحتاج إلى حوافز ومنتجات مصرفية مبتكرة لدمجها في السوق.

هل نحن في حاجة إلى إنشاء مناطق حرة جديدة في الوقت الحالي؟

نعم نحن في حاجة حقيقية إلى مناطق حرة جديدة وقد حصلنا بالفعل على أربع موافقات لإنشاء مناطق حرة في كل من العلمين الجديدة، وبرج العرب الجديدة، و6 أكتوبر الجديدة، والعاشر من رمضان الجديدة، ونسعى إلى الحصول على المزيد مستقبلًا خاصة وأن التوسع في المناطق الحرة أصبح ضرورة لمواكبة الطلب الاستثماري المتزايد، وجذب الصناعات التصديرية، وتوفير بيئة تنافسية قادرة على استيعاب الاستثمارات طويلة الأجل.

هناك توجه جديد بعدم الاعتماد على الصفقات السريعة وتوجيه بوصلة الاستثمار نحو الصناعة.. فما أبرز المجالات القادرة على تحقيق هذا المستهدف؟

تعد صناعة الغزل والنسيج من أبرز القطاعات القادرة على تحقيق هذا المستهدف في ظل ما تمتلكه مصر من طاقات إنتاجية كبيرة سواء في شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى أو في القطاع الخاص إلى جانب الاستثمارات الجديدة التي دخلت القطاع مؤخرًا فضلًا عن توافر الخامات محليًا، وهو ما أسهم في رفع نسبة المكون المحلي إلى نحو 65%، وفي هذا الإطار نجحت مصر في جذب أكبر شركة عالميًا في صناعة الغزل والكتان والتي حصلت على الرخصة الذهبية والعمل بنظام المناطق الحرة، وبدأت بالفعل تشغيل مصنعها على أن تصل إلى طاقتها الإنتاجية الكاملة في أقصى تقدير مع بداية العام المقبل. 

كما تبرز الصناعات الهندسية والتكنولوجية كأحد المحركات الرئيسية للنمو الصناعي وفي مقدمتها صناعة الإلكترونيات خاصة أجهزة التلفزيون للعلامات التجارية العالمية والمحلية مع تنامٍ ملحوظ في الاعتماد على التصنيع المحلي بدلًا من الاستيراد إلى جانب صناعات السيارات والأجهزة المنزلية، التي شهدت توسعات متكررة لدى غالبية الشركات العاملة بها كذلك تمثل صناعات مواد البناء مثل: الأسمنت والحديد والعوازل قطاعات واعدة لا سيما في ظل إصدار رخص جديدة مؤخرًا ليس فقط لتلبية احتياجات السوق المحلية وإنما أيضًا لدعم جهود إعادة الإعمار في ليبيا والسودان وغزة فضلًا عن إعادة التصدير إلى الأسواق الخارجية

وهل هناك أبعاد استثمارية أخرى خارج القطاع الصناعي؟

نعم فهناك ملف تطوير المناطق ذات الطابع المميز مثل وسط البلد، يحمل بُعدًا استثماريًا وسياحيًا مهمًا وهناك مخططات لإعادة إحياء هذه المناطق تراثيًا واقتصاديًا ما يفتح فرصًا جديدة في مجالات السياحة والخدمات والأنشطة الثقافية والتجارية.

وكيف يمكن معالجة التحديات داخل الجهاز الإداري؟

نحتاج إلى تحسين بيئة العمل داخل الجهاز الإداري نفسه وجزء كبير من التعطيل ناتج عن الخوف من اتخاذ القرار وليس عن الفساد المالي فالموظف أحيانًا يتردد في اتخاذ قرار إداري سليم خوفًا من المساءلة والمطلوب نظام واضح للمساءلة يفرق بين الخطأ غير المقصود والفساد المتعمد ويشجع على الجرأة المسؤولة بدل الجمود لأن المنظومة الإدارية الحكومية ليست لديها جرائه ناحية اتخاذ القرار.

هل نحن في حاجة إلى تشريع جديد أو قوانين إضافية لتحفيز الاستثمار أم أن قانون الاستثمار الحالي كافٍ؟

إطلاقًا لا أرى أننا في حاجة إلى تشريع جديد لأن قانون الاستثمار الحالي يتضمن بالفعل حزمة كبيرة من الحوافز ستنتهي في 2029 ولا توجد أزمة في النصوص القانونية بقدر ما توجد أزمة في التطبيق.

كيف تقيم تطبيق الحوافز المنصوص عليها في قانون الاستثمار؟

المشكلة الأساسية أن هناك حوافز مقررة في القانون وتنتهي صلاحيتها في عام 2029 لكنها لا تُطبَق على أرض الواقع فإذا تم تطبيق هذه الحوافز بالشكل الصحيح فإن مناخ الاستثمار سيشهد طفرة حقيقية وهذا الملف موجود بالفعل لدى وزير الاستثمار ويتم العمل عليه حاليًا خاصة فيما يتعلق بتفعيل الحوافز القائمة.

وهل تم تقييم هذه الحوافز مقارنة بدول أخرى؟

نعم في فترة تولي الدكتورة هالة السعيد وزارة التخطيط عرضت الحوافز الاستثمارية على الجهات الدولية المختصة وكانت النتيجة أن هذه الحوافز تُعد من بين الأفضل لكن التحدي الحقيقي ليس في جودتها بل في كيفية تنفيذها.

إذن أين تكمن المشكلة تحديدًا؟

المشكلة أننا نصدر قوانين جيدة للغاية لكن عند مرحلة التطبيق تظهر العراقيل إما لا يتم التطبيق من الأساس أو تصدر لوائح تنفيذية وإجراءات تُفرغ القانون من مضمونه وتُبعده عن أهدافه الحقيقية.

وهل ترون أن اللوائح التنفيذية تمثل عائقًا؟

في كثير من الأحيان نعم لأن اللوائح والإجراءات يتم التعامل معها وكأنها في مرتبة القانون نفسه رغم أنها صادرة بقرارات إدارية ويمكن تعديلها سواء من رئيس هيئة أو وزير لذلك من الضروري مراجعة أسباب فرض هذا الكم من الروتين الذي لا يرتبط بمقومات الدولة أو حجمها وإنما هو عائق إجرائي بحت يعرقل الاستثمار.

بعد ترككم الهيئة العامة للاستثمار.. هل كانت هناك مشروعات تشريعية كنتم تعملون عليها؟

نعم قبل مغادرتي الهيئة كنت قد شكلت لجنة لإعداد مشروع قانون جديد للشركات وليس قانون استثمار بهدف مواكبة التحول الرقمي والمنصة الرقمية الجاري العمل عليها حاليًا.

ما الفلسفة الرئيسة التي انطلق منها مشروع قانون الشركات الجديد برأيك؟

الهدف الأساسي كان تسهيل دخول السوق وتبسيط إجراءات التأسيس مع إعادة النظر في الطريقة التقليدية التي تُؤسس بها الشركات حاليًا بحيث تتماشى مع الممارسات العالمية الحديثة وليس فقط مع الإطار المحلي.

وهل تضمن المشروع أبعادًا تتعلق بالحوكمة؟

بالتأكيد كان من ضمن المحاور الرئيسية إدخال نموذج أكثر تطورًا للحوكمة مقارنة بما هو مطبق حاليًا على أن يكون متوافقًا مع قواعد الحوكمة المعمول بها في الهيئة العامة للرقابة المالية بما يحقق قدرًا من الاتساق بين الجهات المختلفة.

وما أبرز الإشكاليات التي تواجه الشركات القائمة حاليا؟ وما أنواع هذه الشركات؟

أحد أبرز الإشكاليات التي تناولها المشروع هو تعدد أشكال الشركات ووجود أنواع انتفى الغرض منها وأصبحت غير ملائمة للتطورات الحالية مثل الشركات الفردية فاليوم لدينا نموذج شركة الشخص الواحد، وبالتالي كان التوجه هو توحيد المفهوم والاكتفاء بشركة الشخص الواحد بدلًا من استمرار كيان الشركة الفردية بصورته القديمة.

ما رسالتك للمستثمرين من واقع تجربتك كمسؤول عن ملف الاستثمار وخبرتك في القطاع الخاص؟

رسالتي للمستثمرين المصريين والأجانب أن الفرصة للاستثمار في مصر متاحة اليوم وليس غدًا وأن التردد غير مبرر فالتاريخ الاستثماري لمصر على مدار 30 عامًا الماضية يظهر أن نحو 80 إلى 85 % من الاستثمارات، التي دخلت السوق حققت عوائد أعلى من متوسط السوق ما يجعل مصر سوقًا واعدة وقادرة على تقديم فرص حقيقية للعائد والنمو فالبلاد تشهد تغييرات ملموسة ونتائج سريعة نتيجة التوجه الواضح للدولة نحو التطوير والإصلاح وهو ما يفرض تحديات طبيعية ترتبط بأي عملية تحديث لكن التوجه أصبح محددًا وواضحًا، وهذا هو الوقت المناسب للاستثمار. 

كما أن المؤشرات تشير إلى أن السنوات القليلة القادمة ستشهد استقرارًا أكبر في التجارة العالمية بعد انتهاء أزمات الحرب التجارية الحالية إلى جانب استقرار محلي في السياسات المالية والنقدية مما سيزيد فمن يبدأ استثماره اليوم سيحصل على فرصة الريادة وسيستفيد من هذا التوقيت الاستراتيجي وهو السبب في شعاري خلال عملي في الهيئة العامة للاستثمار مصر مستعدة للاستثمار الآن.