في الوقت الذي تضع فيه الدولة المصرية قطاع الصناعة كقاطرة أساسية للنمو الاقتصادي، تكشف الأرقام الرسمية عن مفارقة لافتة؛ فبينما تتزايد أعداد المناطق والمجمعات الصناعية وتتعدد الحوافز الممنوحة للمستثمرين، ما تزال ربع هذه المناطق "خارج الخدمة".
يطرح هذا الواقع تساؤلًا جوهريًا: هل تكمن المشكلة في نقص الدعم أم في فلسفة التخطيط والتشغيل؟
تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وفقًا للتعداد الاقتصادي السادس، إلى أن مصر تمتلك نحو 162 منطقة صناعية، غير أن التدقيق في حالتها يكشف أن 122 منطقة منها فقط هي التي تعمل فعليًا، بينما تقبع 40 منطقة تحت بند "غير عاملة". هذا يعني أن نحو 25% من المناطق الصناعية في البلاد هي كيانات بلا نشاط حقيقي، رغم الإعلان الرسمي عن تأسيسها.
ورغم القفزة الرقمية التي حققتها وزارة الصناعة برفع عدد المناطق إلى 147 منطقة بنهاية 2024 (بزيادة قدرها 21% مقارنة بعام 2014)، وتوسيع رقعة المجمعات الصناعية لتشمل 17 مجمعًا جديدًا، إلا أن لغة الأرقام تؤكد أن "التأسيس الورقي" لا يعني بالضرورة "التشغيل الفعلي".
لماذا تسكن الأشباح بعض المناطق الصناعية؟
أجمع خبراء ومراقبون على أن هناك خمسة عوائق جوهرية حالت دون تحويل الحوافز الحكومية إلى دخان يتصاعد من المداخن، وأبرزها:
- فجوة التأسيس والتشغيل: يعود الرقم المرتفع للمناطق غير العاملة (40 منطقة) إلى غياب دراسات السوق الدقيقة قبل البدء في الإنشاء. فبعض المناطق أُسست بقرارات رسمية دون وجود استثمارات فعلية جاهزة للتنفيذ، ما جعلها تنتظر لسنوات في طابور "الترقب الاستثماري" دون جدوى.
- التركيز على "الكم" لا "الكيف": شهد العقد الأخير توسعًا عمرانيًا صناعيًا سريعًا، لكن هذا النمو العددي لم يصاحبه دائمًا تهيئة لشبكات الخدمات المرتبطة بكل صناعة. فالحوافز الضريبية والجمركية، رغم أهميتها، لا يمكنها وحدها تعويض غياب "البيئة المتكاملة" التي تربط المصنع بالسوق المحلي أو بمنصات التصدير.
- التوزيع الجغرافي غير المتوازن: تكشف الإحصاءات عن تركز 14% من المناطق الصناعية في القاهرة وحدها، بينما يعاني التوزيع في بقية المحافظات من تفاوت كبير. هذا الخلل يحد من قدرة المناطق النائية على جذب العمالة المتخصصة، ويجعلها معزولة عن سلاسل الإمداد الرئيسية، مما يحولها إلى مناطق "طاردة" للاستثمار رغم وجود الأرض والحوافز.
- معضلة العمالة واللوجستيات: بينما تستهدف رؤية 2030 رفع عدد العاملين في القطاع الصناعي إلى 8 ملايين عامل، تعاني المناطق الأقل نشاطًا من تدني نسب التشغيل. السبب هنا ليس ماديًا فحسب، بل يكمن في ضعف الربط بالموانئ الرئيسية والمراكز اللوجستية، مما يرفع تكلفة النقل ويجعل المنتج النهائي غير منافس عالميًا.
هل الحل في "الحوافز"؟
تُظهر القراءة المتأنية للمشهد أن الأزمة ليست في "ضعف الحوافز"، بل في "ضعف التكامل". إن وجود 25% من المناطق الصناعية بلا نشاط هو جرس إنذار يثبت أن المستثمر لا يبحث عن أرض رخيصة فحسب، بل عن نظام بيئي متكامل يشمل:
- لوجستيات قوية تربطه بالموانئ والمواد الخام.
- عمالة مدربة قريبة من موقع العمل.
- دراسات سوقية تضمن له تصريف الإنتاج.