في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، لم تعد قضية الأمن الغذائي ترفًا سياسيًا أو خيارًا اقتصاديًا، بل أصبحت مسألة بقاء واستقرار للدول والشعوب، فمع تداعيات جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وتفاقم الأوضاع الأمنية في السودان وقطاع غزة، إلى جانب تحديات ندرة المياه والتغيرات المناخية والتصحر والزيادة السكانية، تعرضت منظومات الغذاء العالمية لضغوط غير مسبوقة أثّرت على استدامة التنمية في مختلف الدول، وأعادت ترتيب أولويات الحكومات.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور محمد يوسف، أستاذ الزراعة والمكافحة الحيوية بكلية الزراعة جامعة الزقازيق، ومستشار الزراعة العضوية بالوحدة العربية الاقتصادية، أن مصر تعاملت مع تلك التحديات برؤية استراتيجية واضحة تستهدف رفع نسب الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح والأرز والسكر والزيوت، ضمن إطار رؤية مصر 2030.
وأوضح يوسف أن الدولة تبنت سياسات زراعية مستدامة ترتكز على التوسع الأفقي عبر استصلاح اراضي جديدة لزيادة الرقعة الزراعية، والتي اقتربت من 10 ملايين فدان، بإجمالي مساحة محصولية تصل إلى نحو 18 مليون فدان، إلى جانب التوسع الرأسي لزيادة الإنتاجية في نفس وحدة المساحة، مشيدًا بدور الفلاح المصري الذي وصفه بـ«الجندي الوفي» في معركة الحفاظ على الأمن الغذائي.
وأشار إلى أن قطاع الزراعة حظي باهتمام غير مسبوق منذ عام 2014، بهدف تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وزيادة الصادرات الزراعية، وتوفير فرص عمل للشباب، وخفض معدلات الاستيراد لتعزيز العملة الصعبة وتخفيف الضغط على الدولار.
وأكد أن الدولة مستمرة في تنفيذ خطة التوسع الأفقي باستصلاح وزراعة أكثر من 5 ملايين فدان، وإحياء مشروع توشكى، وتنمية أراضي سيناء والصعيد والوادي الجديد، بالتوازي مع التصدي الحاسم للتعديات على الأراضي الزراعية في الدلتا القديمة حفاظًا على الرقعة الخصبة.
وكشف يوسف عن تطلع المزارعين لتفعيل منظومة الزراعة التعاقدية على جميع المحاصيل الاستراتيجية، مثل الذرة وفول الصويا وعباد الشمس والقمح والقطن وقصب السكر، لتأمينهم من تقلبات السوق والسوق السوداء، وضمان تسويق عادل قبل الزراعة.
كما شدد على أهمية رقمنة القطاع الزراعي من خلال ميكنة نحو 7000 جمعية زراعية في قرابة 5000 قرية، وتعميم منظومة الكارت الذكي، التي يستفيد منها نحو 5 ملايين مزارع، بما يسهم في ضبط الدعم ووصوله لمستحقيه.
وفيما يتعلق بالتقاوي، أوضح أن المزارعين يتطلعون إلى توفير أصناف معتمدة عالية الإنتاجية ومبكرة النضج ومقاومة للأمراض، تتحمل التغيرات المناخية وندرة المياه، مع دعم البرنامج الوطني لإنتاج تقاوي الخضر.
وفي ملف الثروة الحيوانية، أشار إلى أهمية استمرار تمويل مشروع البتلو، وتطوير أكثر من 200 مركز لتجميع الألبان، وإنشاء ما يزيد على 600 نقطة للتلقيح الاصطناعي، وتنظيم القوافل البيطرية، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء وخفض الأسعار للمستهلكين.
كما لفت إلى أن مصر أصبحت الأولى إفريقيًا في إنتاج الثروة السمكية بفضل مشروعات عملاقة مثل بركة غليون والفيروز وقناة السويس، مؤكدًا ضرورة التوسع في الاستزراع السمكي وتطوير البحيرات لخفض الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
وأوضح أن ترشيد استخدام المياه يمثل أولوية قصوى، خاصة مع مشروع تبطين وتأهيل نحو 9000 كيلومتر من الترع والمساقي، في إطار تحسين كفاءة الري وتحقيق الاستدامة.
وأشار يوسف إلى أن الصادرات الزراعية تخطت لأول مرة 9.5 ملايين طن في موسم 2025، مع تصدير نحو 410 سلع إلى 167 دولة بقيمة 11.5 مليار دولار، منها 6.3 مليار دولار منتجات مصنعة، مع فتح أكثر من 25 سوقًا جديدة، معربًا عن الطموح للوصول إلى 13 مليون طن خلال الفترة المقبلة.
وأكد أن مساحات القمح تجاوزت 3.6 ملايين فدان، مع استهداف الوصول إلى 6 ملايين فدان لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بالتوازي مع تنفيذ المشروع القومي للصوامع الذي رفع السعة التخزينية من 1.4 مليون طن عام 2014 إلى نحو 5 ملايين طن في 2025.
وطالب بإنشاء صندوق للتكافل الزراعي لحماية المزارعين من المتغيرات الاقتصادية، وتعزيز دور الإرشاد الزراعي وربط الفلاحين بكليات الزراعة، ومشاركتهم في الحوار الوطني والمجالس النيابية، ومنح المتميزين منهم جوائز الدولة التشجيعية.
واختتم خبير الزراعة الحيوية حديثه بالتأكيد على ضرورة التفكير خارج الصندوق لمواجهة أزمة الأعلاف والزيوت، عبر التوسع في زراعة القطن المصري باستخدام الميكنة الحديثة، لما يوفره من زيت طعام وأعلاف من كُسبة البذرة، فضلًا عن دعم صناعات الغزل والنسيج والأخشاب، بما يسهم في خفض فاتورة الاستيراد وتقليل أسعار اللحوم والدواجن والبيض، وتحقيق أمن غذائي مستدام لمصر.