الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
عمل عمل

العمل غير مدفوع الأجر.. كواليس المساهمة الخفية للمرأة في الاقتصاد

تقوم النساء في مصر بأعباء الأعمال المنزلية ورعاية الأسرة غير مدفوعة الأجر بما يتجاوز ضعف ما يتحمله الرجال، وذلك وفقًا لدراسة حديثة صادرة عن الجهاز المركزي 

في ذلك الإصدار، تفحص دراسة لمشروع حلول للسياسات البديلة، الفجوة الجندرية في عمل الرعاية غير مدفوع الأجر في مصر، وتأثيرها العميق على النساء.

تقوم النساء في مصر بأعباء الأعمال المنزلية ورعاية الأسرة غير مدفوعة الأجر بما يتجاوز ضعف ما يتحمله الرجال، وذلك وفقًا لدراسة حديثة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ويستنزف القيام بهذه الأعمال أغلب وقت النساء وجهدهن، ويعيق مشاركتهن في سائر جوانب الحياة كما يقيد إسهاماتهن في الاقتصاد الرسمي. لذا، يجب على الحكومة منح الأولوية للسياسات التي تعزز التوزيع العادل للأعباء وتوفير خدمات الدعم الرسمي، لتخفيف العبء غير المتناسب وتقليص الفجوة بين الجنسين. 

أعباء الأعمال المنزلية ورعاية الأسرة القائمة على النوع الاجتماعي في مصر

تُشكل الأعمال الرعائية غير مدفوعة الأجر جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية لدعم الأسر والعائلات والمجتمعات، وتشمل رعاية الأطفال والاعتناء بالمسنين أو الأقارب المرضى أو ذوي الإعاقة، بالإضافة إلى الأعمال المنزلية الروتينية مثل التنظيف والطهي وغسل الملابس. ورغم القيمة الإنتاجية الكبيرة لهذه الأعمال المنزلية ومساهماتها الاقتصادية، إلا أنها تظل مهملة وغير معترف بها، نظرًا لكونها تتم داخل النطاق الأسري الخاص. وتُمثل الأعمال الرعائية حوالي 9% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي - أي ما يعادل 11 تريليون دولار أمريكي سنويًا - وتشكل مساهمة النساء أكثر من ثلثي هذا الرقم. ومع ذلك، يظل هذا العمل غائبًا في الإحصاءات والموازنات الوطنية، ويعد هذا التجاهل أحد أكبر محركات الفقر وعدم المساواة على مستوى العالم، مع تأثيرات طويلة المدى على حياة النساء. تمضي النساء في مصر نحو 81.4% من وقتهن في ممارسة الأعمال المنزلية ورعاية الأسرة، مقارنةً بـ 18.6% فقط للرجال.

تؤدي عدة عوامل مثل الموقع الجغرافي والحالة الاجتماعية إلى تفاقم أعباء الأعمال الرعائية غير مدفوعة الأجر الملقاة على كاهل النساء؛ إذ يضاعف الزواج، على سبيل المثال، المسؤوليات العائلية. ونتيجة لذلك، تقوم العاملات المتزوجات بالعمل عددًا أكبر من الساعات أسبوعيًا (مدفوع وغير مدفوع الأجر)، وهو ما يتجاوز بمراحل ساعات عمل أقرانهن من الرجال. يحرم هذا العبء المزدوج النساء من الوقت والجهد للمشاركة في التعلم والتدريب والترفيه والأنشطة الاجتماعية، الأمر الذي لا يحد من بناء قدراتهن الفردية والاجتماعية فقط، بل ويؤثر على صحتهن الجسدية والنفسية. ويبرز هذا العبء كعائق رئيسي أمام مشاركة النساء في القوى العاملة، ما يدفع غالبيتهن إلى ترك سوق العمل بعد الزواج؛ إذ تُظهر البيانات المتعلقة بمعدلات مشاركة النساء في سوق العمل قبل وبعد الزواج أن مشاركتهن في العمل في القطاع الخاص تصل إلى ذروتها قبل عامين من الزواج ثم تنخفض إلى النصف في العام التالي للزواج مباشرة. 

يتفاقم هذا الوضع بسبب نقص فرص العمل الجيدة؛ حيث أفاد تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن 86% من النساء ذكرن أن ظروف العمل غير الملائمة كانت السبب الرئيسي لعملهن أقل من 35 ساعة أسبوعيًا. وقد بلغت نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة بمصر 18% فقط في عام 2024، مقارنةً بالمتوسط العالمي البالغ 49% في العام ذاته. وأشار نفس التقرير إلى أن 4.7% فقط من النساء لم يعملن بسبب عدم الرغبة في العمل، ما يشير إلى وجود أسباب أخرى تحول دون مشاركتهن في سوق العمل. 

تغيير السياسات والتوجهات

يبرز دور التشريعات العمالية كعامل حاسم في تذليل العقبات التي تواجهها النساء لتحقيق التوازن بين العمل والحياة، خاصةً للمتزوجات. فعلى سبيل المثال، يُلزم قانون العمل المصري الحالي أصحاب العمل بتوفير دور حضانة عند توظيف 100 عاملة أو أكثر، مما قد يُثني الكثير من أصحاب العمل عن الوصول إلى هذا العدد، ويفسر ذلك ضآلة نسبة الحضانات التابعة لجهات العمل والتي لا تتجاوز 2% من إجمالي دور الحضانة. في المقابل، يحدد التعديل الأخير لقانون العمل الأردني متطلبات إنشاء الحضانات بناءً على العدد الإجمالي لأطفال جميع العاملين/ات، بدلًا من قصره فقط على النساء، ما يلغي هذا العائق ويُرسخ مبدأ المسؤولية المشتركة للرجال في رعاية الأطفال.

وبالمثل، تبرز الحاجة إلى إقرار إجازات الرعاية المناسبة وتوفير ظروف عمل مرنة لتسهيل مشاركة النساء في سوق العمل إذا اخترن ذلك. فقد قامت ألمانيا في عام 2007 بتعديل اللوائح التنظيمية للسماح بإجازات الرعاية مدفوعة الأجر تصل إلى 14 شهرًا، بشرط حصول كلا الوالدين على شهرين كحدٍ أدنى. وانعكس التعديل إيجابيًا على معدلات توظيف الأمهات وعدد ساعات عملهن والوقت الذي يقضيه الرجال في رعاية الأطفال. كما سعت إثيوبيا لتعزيز مشاركة النساء في سوق العمل من خلال برنامج شبكة الأمان الإنتاجية، الذي يوفر ساعات عمل مرنة وتحويلات نقدية للنساء الحوامل والمرضعات اللواتي لا يحصلن على دعم أسري.

ينبغي على الحكومة معالجة فجوة الأعمال الرعائية غير مدفوعة الأجر في مصر من خلال إحداث تحولات جذرية في السياسات، بالإضافة إلى جهود منسقة لإعادة صياغة المعايير الجندرية وإشراك الرجال. كذلك من الضروري أن تتغير توجهات الرجال تجاه المشاركة في هذه الأعمال، ما يتطلب معالجة ليس فقط العوائق الاجتماعية والاقتصادية، بل أيضًا تفنيد الصور النمطية حول الأدوار الجندرية لتعزيز التغيير السلوكي. ومن شأن هذه الخطوات إطلاق الإمكانات الاقتصادية للنساء وتقليص الفجوة في سوق العمل وتحقيق نموًا شاملًا لجميع المصريين.