مع كل دورة تربية جديدة، يترقب مربو الدواجن مؤشرات النمو ومعدلات التحويل الغذائي باعتبارها المقياس الحقيقي لنجاح المشروع، غير أن سلوكًا يبدو بسيطًا في ظاهره قد يتحول إلى مصدر نزيف اقتصادي حقيقي داخل العنابر.
ظاهرة “نكش الفرشة” وبعثرة الأعلاف لا تقتصر آثارها على فقدان كميات من الغذاء، بل تمتد لتلويث البيئة التربوية، ورفع معدلات الرطوبة، وزيادة فرص الإصابة بالمشكلات المعوية والتنفسية، بما ينعكس في النهاية على الأداء العام للقطيع.
سلوك يبدو عابرًا.. وخسائر تتراكم بصمت داخل العنابر
في كثير من الحالات، يُساء تفسير هذا السلوك باعتباره عرضًا لمرض عضوي، بينما تؤكد الخبرات الميدانية أنه غالبًا ما يكون نتيجة خلل إداري أو تغذوي داخل المنظومة الإنتاجية، فالطيور حين تنشغل بنبش الأرضية بصورة مفرطة، فإنها في الواقع تستجيب لمؤثرات بيئية أو احتياجات غذائية غير مُلباة، وليست بالضرورة مصابة بمرض محدد.

لماذا تنكش الطيور الفرشة؟
ارتفاع درجات الحرارة داخل العنابر يُعد من أبرز العوامل المحفزة لهذا السلوك، إذ يؤدي الإجهاد الحراري إلى اضطراب الشهية وتغير نمط التغذية، ما يدفع الطائر للبحث في الفرشة، كذلك فإن نقص بعض العناصر المعدنية الدقيقة، مثل الحديد والمنجنيز، أو غياب الاتزان بين الكالسيوم والفسفور، إضافة إلى نقص الأحماض الأمينية الأساسية، كلها عوامل تجعل الطائر يحاول تعويض احتياجاته عبر النكش المستمر.
جودة العلف تحت المجهر
جودة العلف تلعب دورًا حاسمًا في الحد من المشكلة، فالعلف غير المستساغ نتيجة سوء التخزين أو التعرض للرطوبة، وكذلك عدم تناسب حجم حبيبات العلف مع عمر الطائر، يؤديان إلى رفض جزئي للغذاء ومن ثم بعثرته، كما أن اتباع سياسة التجويع لفترات طويلة يفاقم السلوك العدواني تجاه المعالف، فيتحول البحث عن الغذاء إلى نكش عشوائي يسبب هدرًا واضحًا في الكميات المقدمة.
المشكلات المعوية والآفات الخفية
ولا يمكن إغفال تأثير المشكلات المعوية، مثل الكوكسيديا أو التهابات الأمعاء البكتيرية، إذ تؤثر في كفاءة الامتصاص وتدفع الطيور لمحاولات تعويضية غير منتظمة، كما أن وجود أجسام غريبة أو حشرات في الفرشة، كالسوس، يثير فضول الطائر ويحفزه على النبش المستمر، بما يضاعف من تلوث البيئة الداخلية للعنبر.
الوقاية تبدأ بالإدارة الجيدة
التعامل مع الظاهرة يبدأ بالوقاية قبل العلاج، من خلال ضبط درجات الحرارة والتهوية، وتطبيق برنامج إضاءة وإظلام متوازن يحد من فرط النشاط، كذلك يُنصح بزيادة عدد الوجبات اليومية مع تقليل كمياتها لتفادي التكدس حول المعالف وتقليل الفاقد.

تحسين جودة العلف، وضبط تركيبته بما يحقق التوازن المعدني والبروتيني المطلوب، يمثل حجر الزاوية في السيطرة على المشكلة، إلى جانب المتابعة الصحية الدورية ومعالجة أي اضطرابات معوية فور ظهورها.
من سلوك مزعج إلى مؤشر إنذار مبكر داخل المزرعة
في النهاية، يظل “نكش الفرشة” مؤشرًا مبكرًا على وجود خلل إداري أو تغذوي داخل العنبر، وليس مجرد سلوك عابر يمكن تجاهله، والانتباه له مبكرًا، ومعالجة أسبابه الجذرية، يوفّر على المربي خسائر كان يمكن أن تتفاقم بصمت داخل الفرشة، ويحافظ على استقرار الأداء الإنتاجي للقطيع طوال الدورة.