تعود صناديق الاستثمار العقاري إلى الواجهة باعتبارها أحد الحلول المطروحة لإنعاش السوق، وتوفير سيولة مستدامة للمطورين، مع فتح الباب أمام صغار المستثمرين للمشاركة في القطاع دون الحاجة لشراء وحدة كاملة.
لكن السؤال الجوهري: هل تمثل هذه الصناديق طوق نجاة حقيقيًا أم مجرد أداة مالية محدودة التأثير في سوق يعاني اختلالات أعمق؟
في مصر، ما تزال صناديق الاستثمار العقاري في طور البناء المؤسسي، رغم وجود إطار تنظيمي يسمح بتأسيسها وتداول وثائقها في البورصة. ويهدف هذا الإطار إلى تحويل العقار من أصل جامد منخفض السيولة إلى أداة استثمارية قابلة للتداول، بما يخلق قناة تمويل جديدة بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على البيع المسبق أو القروض المصرفية.
غير أن التطبيق العملي يواجه تحديات تتعلق ببطء التأسيس، وضعف الحوافز الضريبية، وتعقيدات تقييم الأصول العقارية، فضلًا عن محدودية الوعي الاستثماري لدى الأفراد بطبيعة هذه الصناديق ومخاطرها. وهو ما يجعل الإطار التنظيمي، رغم أهميته، غير كافٍ وحده لدفع الصناديق إلى لعب دور مؤثر في السوق.
تجربة الدول الأخرى
في تجارب دولية عدة، تحولت صناديق الاستثمار العقاري إلى ركيزة أساسية في أسواق المال.
ففي الولايات المتحدة، ساهمت هذه الصناديق في تعميق سوق العقارات التجارية، وربطها مباشرة بالبورصة، ما أتاح تمويلًا طويل الأجل للمكاتب والمراكز التجارية والفنادق. وفي أسواق الخليج، مثل الإمارات، لعبت الصناديق دورًا في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتوفير أدوات استثمارية مستقرة نسبيًا في بيئة تتسم بتقلبات دورية في أسعار العقار.
اللافت في هذه التجارب أن نجاح الصناديق لم يكن معتمدًا فقط على التشريعات، بل على وضوح البيانات، واستقرار السياسة الضريبية، ووجود سوق ثانوي نشط يسمح للمستثمر بالدخول والخروج بسهولة، وهو ما يطرح تساؤلًا حول مدى جاهزية السوق المصرية لتكرار النموذج.
فرص وتحديات مصر
تمتلك مصر مقومات تجعل صناديق الاستثمار العقاري أداة واعدة، في مقدمتها الحجم الضخم للسوق، وتنوع الأصول بين سكني وتجاري وإداري وسياحي، إلى جانب الحاجة المتزايدة لتمويل المشروعات دون تحميل المستهلك النهائي كامل عبء التكلفة.
كما يمكن لهذه الصناديق أن تساهم في إعادة تسعير أكثر واقعية للأصول، وربط العائد بقوة التشغيل وليس بالمضاربة.
في المقابل، تظل التحديات حاضرة بقوة، وعلى رأسها ضعف الشفافية في بعض الأصول، وغياب قاعدة بيانات دقيقة عن السوق، وتذبذب العوائد في ظل التضخم وتقلبات سعر الفائدة.
كما أن غلبة الطابع السكني غير المؤجر على السوق تقلل من فرص إنشاء صناديق تحقق دخلًا دوريًا منتظمًا، وهو جوهر فكرة.
هل تنقذ السوق؟
الإجابة المختصرة: ليس بمفردها. فصناديق الاستثمار العقاري ليست حلًا سحريًا لأزمة السوق، لكنها أداة مهمة ضمن حزمة أوسع من الإصلاحات، تشمل ضبط آليات التسعير، وتحفيز الطلب الحقيقي، وتعزيز الشفافية، وتوسيع قاعدة المستثمرين. وإذا ما تم تفعيلها بجدية، قد تصبح جسرًا يربط العقار بسوق المال، وينقل القطاع من منطق التخزين والمضاربة إلى منطق الاستثمار والإنتاج.