مصطفى جودة: التوسع في بنجر السكر مكن الدولة من تعويض الفجوة الاستهلاكية وحافظ على نصيب الفرد بـ34 كجم
بعد سنوات من التحديات والضغوط التي شهدها سوق السكر في مصر، نجحت الدولة في إحداث تحول استراتيجي ملموس أعاد هذا القطاع الحيوي من دائرة العجز إلى مربع الاكتفاء الذاتي، ووضع الأسس لاستئناف التصدير مجددًا بعد توقف دام نحو ثلاث سنوات.
شهدت الدلتا الجديدة خلال الموسم الزراعي الحالي زراعة مساحات واسعة من بنجر السكر باستخدام أصناف عالية الإنتاجية تتميز هذه الأصناف بجينات قوية وقدرة على تحمل التغيرات المناخية، إلى جانب تحقيق نسب سكر مرتفعة وجودة تصنيعية عالية، وقد أسهم هذا التوسع في رفع الإنتاجية لكل فدان، وزيادة المعروض المحلي بشكل كبير، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بما يعزز تحقيق الاكتفاء الذاتي ويتيح تكوين فائض قابل للتصدير.
ولم يكن الهدف مجرد زيادة الإنتاجية مؤقتًا، بل استند إلى رؤية استراتيجية شاملة، تهدف إلى ضمان استقرار الأسعار، توفير العملة الصعبة، ودعم ميزان المدفوعات، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني ويعزز تنافسية السكر المصري في الأسواق العالمية.
الزيادة الكبيرة في إنتاج بنجر السكر انعكست بشكل مباشر على صناعة السكر، التي تعد أحد الملفات الاستراتيجية ذات الأولوية للدولة، فتوافر الخام المحلي ساعد على خفض الاعتماد على الاستيراد، وزيادة كفاءة تشغيل المصانع، وتحقيق استقرار الإنتاج، ويضم السوق المصري نحو 16 شركة كبرى لإنتاج السكر، منها 8 شركات حكومية، وتبلغ احتياجات الاستهلاك المحلي حوالي 3.5 مليون طن سنويًا، وهي كمية باتت مغطاة بالكامل من الإنتاج المحلي، مع تحقيق فائض يقترب من مليون طن، ما أتاح استئناف التصدير بعد توقف استمر ثلاث سنوات.
بنجر السكر محور التحول الاستراتيجي
أكد الدكتور مصطفى جودة، أستاذ متفرغ ورئيس بحوث بقسم أمراض الذرة والمحاصيل السكرية بمعهد بحوث أمراض النباتات، أن التوسع الرأسي في زراعة بنجر السكر واستخدام أصناف حديثة مكن الدولة من تعويض الفجوة الاستهلاكية الناتجة عن الزيادة السكانية المطردة، ورفع إنتاجية الفدان إلى مستويات قياسية، وصلت في بعض الحالات إلى 40 طنًا للفدان، فيما بلغ متوسط الإنتاجية نحو 21 طنًا للفدان، مقارنة بالإنتاجية السابقة.
وأوضح جودة أن التوسع الحالي يستند إلى محورين: الأول التوسع الأفقي عبر زيادة المساحات المزروعة في مناطق متعددة مثل الحامول، النوبارية، الفيوم، والدقهلية، والثاني التوسع الرأسي عبر زيادة الإنتاجية لكل وحدة مساحة، وهو ما عزز القدرة على الاعتماد على بنجر السكر كبديل رئيسي عن سكر القصب.
وأضاف أن قصب السكر ما زال يزرع في مناطق مثل المنيا، وتم تعديل بعض المصانع مثل أبو قرقاص لإنتاج السكر من البنجر، بما يعكس التوجه نحو اكتفاء ذاتي مستدام.
وأشار جودة إلى أن استهلاك الفرد في مصر سجل حوالي 34 كجم سنويًا، وهو معدل مرتفع مقارنة بالسنوات الماضية، داعيًا المواطنين إلى خفض الاستهلاك بما يحقق التوازن الصحي، مضيفا أن الإنتاج المصري لا يقتصر على بنجر السكر فقط، بل يشمل محاصيل بديلة مثل الاستيفيا المزروعة في المنيا ومناطق محدودة بالوجه القبلي، والتي توفر سكريات طبيعية أكثر أمانًا على الصحة، إلى جانب الذرة الصفراء لإنتاج شراب الجلوكوز وشراب الذرة عالي الفركتوز، بإنتاجية تصل إلى 250 ألف طن سنويًا، تدخل في الصناعات الغذائية المختلفة.
يعكس هذا التحول اهتمام الدولة المتزايد بالمحاصيل الاستراتيجية، وخاصة السكرية، من خلال التوسع في المساحات المزروعة، وتطبيق أحدث الممارسات الزراعية، ودعم المزارعين، واستخدام التقاوي عالية الإنتاجية، ومع استمرار هذه السياسات، تتجه مصر بخطى ثابتة نحو تحقيق اكتفاء ذاتي مستدام من السكر، يضمن الأمن الغذائي، ويعزز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني، ويعيد للمنتج المصري مكانته التنافسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.