فى وقت تتصاعد فيه التوترات العسكرية فى منطقة الشرق الأوسط، وجدت شركات تصدير الحاصلات الزراعية المصرية نفسها أمام مشهد لوجستى معقد، فرض إعادة رسم خريطة الشحن بالكامل.
فبعد تعطل جزئى لحركة النقل الجوى والبحرى فى عدد من المسارات الحيوية، تحرك المصدرون سريعًا لتعديل وجهاتهم وآليات نقلهم، بحثًا عن مسارات بديلة تضمن استمرار تدفق البضائع إلى الأسواق الخارجية، ولو بتكلفة أعلى وزمن أطول.
أكد المهندس على عيسى، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين وعضو المجلس التصديرى السابق للحاصلات الزراعية، أن عمليات التصدير عبر الخطوط الجوية والبحرية توقفت حاليًا لأغلب دول الخليج ومناطق شرق آسيا، ما أجبر الشركات على الاعتماد بشكل شبه كامل على النقل البرى كخيار اضطرارى للحفاظ على التزاماتها التعاقدية.
وأوضح أن الشحنات تمر حاليًا عبر ميناء سفاجا وصولًا إلى ميناء ضبا السعودى، ومنها برًا إلى بقية دول الخليج العربى، مشيرًا إلى أن هذا التحول المفاجئ تسبب فى ضغط شديد على سوق النقل البرى، خاصة فيما يتعلق بالحاويات المبردة اللازمة لنقل المنتجات سريعة التلف. وأكد أن أسعار الشحن البرى شهدت ارتفاعات ملحوظة نتيجة زيادة الطلب، فى ظل غياب تنظيم كافٍ لسوق النقل البرى يسمح باستيعاب هذه الطفرة المفاجئة.
وشدد عيسى على أنه حتى الآن لا توجد إلغاءات فعلية للشحنات، وإنما «تعديل للمسارات»، إلا أن هذه التعديلات تعنى بطبيعتها زيادة زمن الوصول وارتفاع التكلفة. وأضاف أن تصاعد التوترات فى المنطقة، وإغلاق مضيقى هرمز وباب المندب، ألقى بظلاله المباشرة على حركة التصدير، ليس فقط من حيث المسارات، ولكن أيضًا من حيث ارتفاع تكلفة التأمين على الشحنات.
وأشار إلى أن التداعيات لم تقتصر على الأسواق الخليجية والآسيوية، بل امتدت إلى الأسواق الأوروبية، خاصة بعد الضربة التى طالت قبرص، وهو ما دفع شركات التأمين إلى رفع قيمة التأمين على الشحنات المارة بالمنطقة.
كما أوضح أن تحويل عدد من الخطوط الملاحية الرئيسية مساراتها من قناة السويس إلى رأس الرجاء الصالح أدى إلى ضعف المعروض من الحاويات داخل الموانئ المصرية، بعد أن كان يتم استغلال الحاويات الفارغة العائدة عبر قناة السويس، وهو ما يفرض حاليًا استيراد حاويات فارغة من الخارج بتكلفة أعلى كثيرًا.
وتابع عيسى أن التغيرات المفاجئة فى خريطة التصدير العالمية دفعت بعض الدول المنافسة إلى تحويل جزء من صادراتها من السوق الخليجى إلى السوق الأوروبية، ما أدى إلى زيادة حجم المعروض فى أوروبا بشكل يفوق احتياجاتها الفعلية، وهو ما يضغط على الأسعار ويدفعها إلى التراجع، بما يهدد هوامش ربح المصدرين المصريين ويضاعف خسائرهم المحتملة.
وطالب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الحكومة باتخاذ إجراءات استثنائية لدعم المصدرين خلال هذه المرحلة، مقترحًا وقف العمل مؤقتًا بشرط «زيادة حجم الصادرات» المطلوب لصرف المساندة التصديرية، مؤكدًا أن الأولوية فى الوقت الراهن يجب أن تكون للحفاظ على الكميات المصدرة عند مستوياتها الحالية ومنع تراجعها، بدلًا من تحميل الشركات أعباء إضافية فى ظل ظروف خارجة عن إرادتها.
فى السياق ذاته، كشف مصطفى النجارى، رئيس لجنة الزراعة والرى بجمعية رجال الأعمال المصريين وعضو مجلس إدارة اتحاد منتجى ومصدرى الحاصلات البستانية، أن الصادرات المتجهة إلى دول الخليج كانت تعتمد تاريخيًا على العبارات البحرية والطرق البرية بنسبة كبيرة، مقابل نسبة أقل للشحن الجوى، إلا أن تعطل الملاحة فى باب المندب دفع الجميع للاعتماد بشكل كامل تقريبًا على الطرق البرية.
وأشار النجارى إلى أن هذا التحول المفاجئ تسبب فى حالة من التكدس داخل بعض الموانئ الرئيسية، خاصة المطلة على البحر الأحمر، نتيجة إعادة توجيه الشحنات وضغط حركة النقل فى اتجاه واحد تقريبًا.
لكنه شدد فى الوقت ذاته على أن الوضع الداخلى فى مصر مستقر فيما يتعلق بالسلع الاستراتيجية، مؤكدًا وجود أرصدة كافية تغطى ما بين 8 إلى 11 شهرًا من الاستهلاك، وهو ما يطمئن السوق المحلية رغم الاضطرابات الإقليمية.
من جانبها، عقدت الحكومة خلال الأيام الماضية اجتماعات مكثفة مع مصدرى الحاصلات الزراعية لمتابعة تداعيات غلق المجال الجوى فى بعض الأسواق التصديرية الرئيسية بمنطقة الخليج وآسيا، وبحث البدائل اللوجستية المتاحة.
وأكدت أن الجهات المعنية تدرس التحول إلى الشحن البحرى أو البرى بحسب طبيعة كل سوق، مع دراسة طرح بعض المنتجات سريعة التلف فى السوق المحلية حال تعذر تصديرها، بما يقلل من خسائر المصدرين ويحافظ فى الوقت نفسه على توازن الأسعار داخليًا.
وبين ضغوط التأمين وارتفاع تكاليف النقل ونقص الحاويات، يواجه قطاع تصدير الحاصلات الزراعية اختبارًا صعبًا، يتطلب استجابة سريعة وتنسيقًا وثيقًا بين الحكومة والقطاع الخاص، حتى لا تتحول أزمة المسارات إلى أزمة فى الأسواق.