شهد العالم في 28 فبراير الماضي اندلاع مواجهة أمريكية إسرائيلية عسكرية مع إيران، بعد شن ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت إستراتيجية في طهران، أسفرت، وفق تقارير، عن مقتل عدد من كبار القادة الإيرانيين.
وردّت إيران بإطلاق صواريخ وتسيير طائرات مسيّرة باتجاه أهداف داخل إسرائيل وقواعد أمريكية في الخليج، في وقت أبلغ فيه الذراع البحري للحرس الثوري سفن الشحن بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة.
أثار هذا التصعيد السريع مخاوف واسعة بشأن تداعياته على الاقتصادين الإيراني والعالمي، لا سيما أسواق الطاقة، وانعكاساته المباشرة على الاقتصاد المصري.
موقع إستراتيجي وثقل طاقوي
تُعد إيران لاعبًا اقتصاديًا محوريًا في الشرق الأوسط، ليس فقط بحكم حجم اقتصادها، بل أيضًا لموقعها الجغرافي الذي يطل على الضفة الشمالية لمضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا.
تمتلك إيران نحو 11.8% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط و17% من احتياطيات الغاز الطبيعي، ما يمنحها وزنًا إستراتيجيًا في معادلة الطاقة الدولية، ويعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على قطاع الطاقة كمصدر رئيس للنقد الأجنبي والإيرادات العامة، ما يجعل أي مواجهة عسكرية في المنطقة ذات تأثيرات عابرة للحدود.
قفزة في أسعار النفط وتراجع بالأسواق
مع اندلاع المواجهات، قفزت العقود الآجلة لخام برنت إلى ما بين 78 و82 دولارًا للبرميل، مقارنة بأدنى مستوى سنوي سابق بلغ نحو 58.40 دولارًا، ومن المتوقع أن تؤدي هذه الزيادة إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج عالميًا، بما يعزز الضغوط التضخمية في اقتصادات كبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا.
كما انعكست التوترات سريعًا على أسواق المال، إذ تراجع مؤشر DAX الألماني بنحو 2.2%، وانخفض CAC 40 الفرنسي بحوالي 1.9%، فيما هبطت العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 الأمريكي بنسبة 1.7%، في إشارة إلى تراجع ثقة المستثمرين، في المقابل، صعد الذهب بنسبة 1.8% ليصل إلى 5397 دولارًا للأوقية، مدفوعًا بالإقبال على الملاذات الآمنة.
وتشير هذه التحركات إلى مخاطر أوسع تشمل ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واضطرابات سلاسل الإمداد، واحتمالات تباطؤ النمو العالمي إذا طال أمد الصراع.
الاقتصاد المصري في دائرة التأثر
يتأثر الاقتصاد المصري مباشرة بتقلبات أسواق الطاقة العالمية، نظرًا لاعتماد مصر على استيراد جانب من احتياجاتها من المنتجات البترولية والغاز لتلبية الطلب المحلي. وأي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس على تكلفة تشغيل محطات الكهرباء والصناعة والنقل، ما يزيد الضغوط على الموازنة العامة ويغذي معدلات التضخم.
وقد ظهرت بوادر التأثر سريعًا؛ إذ ارتفع سعر جرام الذهب عيار 21 في مصر إلى نحو 7510 جنيهات مع أول جلسة تداول بعد اندلاع الحرب، في ظل توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة.
كما سجلت البورصة المصرية تراجعات ملحوظة في أولى جلساتها عقب التصعيد؛ حيث هبط المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 2.5%، وانخفض مؤشر EGX للشريعة بـ2.9%، وتراجع EGX35-LV بنسبة 2.11%، فيما فقد EGX100 نحو 2.92%، وبلغت خسائر رأس المال السوقي أكثر من 73 مليار جنيه، ما يعكس حالة الحذر وارتفاع درجة المخاطر.
ومع استمرار التوتر في مضيق هرمز، تبقى فاتورة الواردات النفطية مرهونة بتطورات المشهد العسكري، وسط مخاوف من انتقال أثر ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات، بما قد يضغط على القدرة الشرائية للمواطنين.
سوق العقارات بين الملاذ الآمن وضغوط التكلفة
يعتمد تأثير التصعيد الحالي على سوق العقارات في مصر على مدة الصراع. ففي حال كان التصعيد قصير الأمد، فمن المرجح أن يظل تأثيره محدودًا، نظرًا لكون العقار استثمارًا طويل الأجل أقل حساسية للصدمات المؤقتة.
أما إذا طال أمد النزاع، فقد يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة واستيراد مواد البناء، خاصة تلك التي تمر عبر مضيق هرمز، إلى زيادة تكاليف التطوير العقاري.
وقد يدفع ذلك أسعار بعض المشروعات إلى الارتفاع، مع توجه شريحة من المستثمرين إلى العقار كملاذ آمن، مقابل احتمال تباطؤ الطلب في شرائح أخرى نتيجة تراجع القوة الشرائية.
وفي ظل غموض مسار التصعيد، يظل الاقتصاد المصري في حالة ترقب، يراقب عن كثب تحركات أسعار النفط والذهب والأسواق المالية العالمية.
وبينما تتوقف التداعيات النهائية على مدة النزاع وحدته، يبقى المؤكد أن أي اضطراب طويل في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية ستكون له كلفة اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة.