قال الدكتور شريف عبد الغني، خبير أسواق المال، أن البورصة المصرية شهدت حساسية مرتفعة تجاه التوترات الجيوسياسية، سواء كانت إقليمية في الشرق الأوسط أو عالمية بين القوى الكبرى، فعند تصاعد المخاطر السياسية يتحول سلوك المستثمرين سريعا من البحث عن العائد إلى البحث عن الأمان، وهو ما ينعكس مباشرة على مؤشرات السوق، وأحجام التداول، وهيكل السيولة.
وأوضح أن خلال فترات التصعيد الجيوسياسي السابقة، سجل مؤشر EGX30 تراجعات يومية تراوحت بين 1% و3% في بعض الجلسات مع خسائر بمليارات الجنيهات من رأس المال السوقي خلال أيام قليلة، هذه التحركات لا ترتبط عادة بتغيرات في الأداء التشغيلي للشركات، بل بحالة عدم اليقين وارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالأصول عالية المخاطر مثل الأسهم Stocks أحد أبرز الآثار المباشرة يتمثل في خروج المستثمرين الأجانب من السوق، تاريخياً عند تصاعد التوترات تميل المؤسسات الأجنبية إلى تقليص انكشافها على الأسواق الناشئة، بما فيها مصر، وهو ما يؤدي إلى صافي مبيعات قد يصل إلى مئات الملايين من الجنيهات في جلسات محدودة، مشيراً إلى أن هذا النزوح يضغط على الأسعار ويخفض مستويات السيولة خاصة في الأسهم القيادية ذات الوزن النسبي المرتفع في المؤشرات.
وأوضح أن بالنسبة لمستوى الكفاءة السوقية، فإن التوترات الجيوسياسية تؤدي إلى زيادة التقلبات بشكل ملحوظ، وبدلاً من أن تعكس الأسعار المعلومات الأساسية المتعلقة بأرباح الشركات وتدفقاتها النقدية تصبح أكثر تأثرا بالأخبار السياسية والتوقعات المستقبلية غير المؤكدة، وارتفاع التقلبات يقلل من قدرة السوق على التسعير العادل ويزيد من سلوكيات المضاربة قصيرة الأجل.
وتابع أن في حال تصاعد التوترات بصورة أكبر، فإن السيناريو المتوقع يتضمن عدة مسارات متزامنة مثل اتساع نطاق التذبذب اليومي للمؤشرات، خاصة الأسهم الصغيرة والمتوسطة الأقل سيولة، وارتفاع تكلفة رأس المال نتيجة مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى لتعويض المخاطر، واحتمالية تأثر سعر الصرف، مما ينعكس على الشركات المستوردة أو المدينة بالعملة الأجنبية، وبالتالي على تقييماتها السوقية، ومع ذلك، أن الأسواق لا تتحرك في اتجاه واحد دائمًا ففي بعض الحالات وبعد موجة البيع الأولى، تبدأ قوى الشراء الانتقائي في الظهور، خاصة إذا كانت الأساسيات الاقتصادية مستقرة نسبياً، كما أن بعض القطاعات مثل الطاقة أو السلع الأساسية، قد تستفيد من ارتفاع الأسعار العالمية الناتج عن الأزمات.
وأوضح أن في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، تصبح القرارات الاستثمارية أكثر حساسية، لكن التاريخ يثبت أن فترات الاضطراب غالباً ما تخلق فرصا حقيقية للمستثمر متوسط وطويل الأجل، والتقلبات التي تضغط على الأسعار في المدى القصير قد تفتح نافذة للدخول عند تقييمات أقل من القيمة العادلة، خاصة في سوق مثل البورصة المصرية الذي يتميز بقطاعات متنوعة وقاعدة شركات ذات أصول حقيقية قوية.
وأشار إلى أن عند النظر إلى أداء مؤشر EGX30 خلال فترات اضطراب سابقة، نلاحظ أن الهبوط كان غالباً حاداً في البداية، لكنه تبعه تعافى تدريجي مع استقرار الأوضاع وعودة السيولة، والمستثمر الذي يتبنى أفقا زمنياً متوسطا (من سنة إلى ثلاث سنوات) أو طويلا (أكثر من ثلاث سنوات) يكون أقل تأثرا بالتذبذب اليومي وأكثر قدرة على الاستفادة من دورة التعافي.
ونصح أن في مثل هذه الظروف التجنب للقرارات الانفعالية، والبيع تحت ضغط الأخبار غالباً، مما يؤدي إلى تثبيت الخسائر، بينما الاستثمار المرحلي (الدخول على دفعات) يقلل من مخاطر توقيت السوق، كما يُفضل التركيز على الشركات ذات الأساسيات القوية، بالتدفقات النقدية المستقرة، مديونية منخفضة نسبياً، وقدرة على تمرير ارتفاع التكاليف إلى الأسعار، بالإضافة، أن من المهم إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية بدلًا من الخروج الكامل من السوق، والتنويع بين القطاعات المختلفة، والاحتفاظ بنسبة سيولة معقولة لاقتناص الفرص، يحقق توازناً بين إدارة المخاطر وتحقيق العائد وفي أوقات عدم اليقين، تزداد أهمية التحليل الأساسي مقارنة بالمضاربات قصيرة الأجل.
وأوضح أن التوترات الجيوسياسية قد تخلق ضغوطاً مؤقتة، لكنها لا تُلغي القيمة الجوهرية للأصول الجيدة، فإن الاستثمار متوسط وطويل الأجل المبني على دراسة وتحليل وانضباط نفسي يظل من أكثر الاستراتيجيات عقلانية في مواجهة تقلبات الأسواق.