في قلب التصعيد العسكري المتسارع بالمنطقة، لا تبدو المعركة محصورة في ساحات القتال أو خرائط النفوذ السياسي، بل تمتد خيوطها سريعًا إلى القطاع الزراعى وأسواق الغذاء حول العالم، فمع كل قفزة في أسعار النفط أو اضطراب في إمدادات الغاز، ترتفع تلقائيًا تكلفة الزراعة والإنتاج والتصنيع الغذائي، لتتحول الطاقة إلى عامل حاسم في تحديد أسعار السلع على موائد المستهلكين.
التوترات المشتعلة في محيط إيران والخليج العربي، والمخاوف المرتبطة بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، دفعت بأسعار النفط إلى الصعود، ودفعت المستثمرين نحو الذهب، بينما بدأت شركات الشحن في إعادة حساباتها وتغيير مساراتها، هذا المشهد العالمي المضطرب يضع القطاع الزراعي في بؤرة التأثر، باعتباره الأكثر ارتباطًا بالطاقة، سواء في تشغيل مصانع الأسمدة، أو إدارة منظومات الري، أو نقل المحاصيل، أو حتى في حركة الصادرات والواردات الغذائية.
في مصر، حيث يعتمد جزء كبير من احتياجات الغذاء على الاستيراد، وحيث تمثل الأسمدة والغاز عنصرين رئيسيين في معادلة الإنتاج الزراعي، تبدو تداعيات الأزمة أكثر حساسية، فارتفاع أسعار الطاقة لا ينعكس فقط على فاتورة الاستيراد، بل يمتد إلى تكلفة الفدان، وسعر الطن، وهامش ربح المصدر، وصولًا إلى السعر النهائي الذي يتحمله المواطن.
حذر خبراء الاقتصاد والزراعة من أن التصعيد العسكري في منطقة إيران والخليج العربي، بدأ يترك أثره على الأسواق المصرية، ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب إمدادات الغاز يهدد إنتاج الأسمدة، ما يرفع تكلفة الزراعة ويضغط على أسعار الغذاء.
رئيس شركة سيماداك: الدولة اتخذت تدابير احتياطية لمواجهة تداعيات الحرب الإقليمية وضمان استقرار الأسعار
قال الدكتور علاء الجالي، رئيس مجلس إدارة شركة سيماداك للأسمدة والكيماويات، إن التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة في ظل الحرب الإقليمية الدائرة في نطاق إيران والخليج العربي، تفرض نفسها بقوة على المشهد الاقتصادي العالمي، خاصة مع تصاعد المخاوف بشأن احتمالات تعطل إمدادات الطاقة.
وأوضح أن السيناريوهات المطروحة، وفي مقدمتها احتمال وقف إمدادات نفط الخليج نتيجة غلق مضيق هرمز، إلى جانب توقف إمدادات الغاز القادمة من إسرائيل لأجل غير مسمى أو لحين انتهاء الأزمة، تمثل عوامل ضغط مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على أسعار المحروقات والغاز.
وأضاف أن التسلسل المنطقي للأحداث يشير إلى أنه في حال تعطل الإمدادات، فمن الطبيعي أن ترتفع أسعار الطاقة، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة الإنتاج والنقل، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع، فضلاً عن صعود أسعار الدولار والذهب باعتبارهما ملاذين آمنين في أوقات الأزمات، مؤكدًا أن هذا المسار لا يخص مصر وحدها، وإنما يمتد تأثيره إلى مختلف اقتصادات العالم.
وتساءل الدكتور علاء الجالي عما إذا كانت القيادة السياسية المصرية بعيدة عن قراءة هذا المشهد، مشيراً إلى أنه يعتقد يقيناً، وليس ظناً، أن الدولة المصرية كانت على دراية كاملة بسياق الأحداث وتطوراتها المحتملة، موضحاً أن ما اعتاد عليه المصريون منذ بداية حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي هو وجود رؤية استباقية قائمة على قراءة دقيقة للمشهدين الإقليمي والدولي.
وأشار إلى أن الدولة، وفق تقديره، اتخذت بالفعل كل التدابير الاحتياطية اللازمة استعداداً لأي تطورات، وبحسابات دقيقة تتعلق بطبيعة الأزمة ومدتها المحتملة، لافتاً إلى وجود احتياطي استراتيجي مناسب من الغاز والوقود والسلع التموينية يمكن الدولة من امتصاص الصدمات وتقليل آثارها على السوق المحلي.
وأكد أن هذه الاحتياطيات تمثل صمام أمان يحد من حدوث اختلالات حادة في ميزان الأسعار قد تؤثر بصورة مباشرة على المواطن المصري، مشدداً على أن الدولة تعمل على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في ظل الظروف الاستثنائية المحيطة.
كما أوضح أن مصر تُعد حالياً من أكثر دول المنطقة استقراراً من حيث مستوى الأمن والأمان، وهو ما يعزز من قدرتها على جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل بحث المستثمرين عن أسواق آمنة ومستقرة في أوقات الاضطرابات.
واختتم تصريحه بالتأكيد على ثقته الكاملة في القيادة السياسية الحالية، وفي قدرتها على قراءة الأحداث عن كثب، واتخاذ القرارات المناسبة في التوقيت المناسب، بما يحافظ على مصالح الدولة ويؤمن احتياجات المواطنين في ظل التحديات الإقليمية الراهنة.
رئيس جمعية رجال الأعمال:
الحرب الإقليمية تضغط على الصادرات المصرية وتؤثر على تدفق الحاصلات الزراعية الطازجة وترفع تكاليف النقل
أكد المهندس علي عيسى، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، أن التطورات الإقليمية الأخيرة وقيود حركة الطيران أثرت بشكل مباشر على تدفق الصادرات المصرية، لا سيما الحاصلات الزراعية الطازجة مثل الخضار والفواكه، التي تعتمد على النقل السريع للوصول للأسواق الخارجية موضحاً أن توقف الرحلات الجوية والبحرية إلى بعض دول الخليج والدول الأوروبية أدى إلى اضطراب سلاسل الإمداد، ما دفع المصدرين للجوء إلى مسارات أطول مثل رأس الرجاء الصالح، وهو ما رفع تكاليف الشحن وزاد الأعباء المالية على الشركات المصدرة.
وأشار عيسى، إلى أن النقل البري البديل غير كاف لتعويض نقص الشحن الجوي والبحري، وهو ما أثر على مواعيد وصول الحاصلات الطازجة للأسواق الخارجية، وزاد من ضغوط الإنتاج والتصدير، موضحا أن الأزمة الحالية لا تقتصر على مصر فقط، بل تشمل معظم الأسواق العالمية، إلا أن الحاصلات الزراعية الطازجة هي الأكثر تضررًا لأنها غير قابلة للتخزين لفترات طويلة، ما يجعل أي تأخير أو زيادة في تكلفة النقل يؤثر مباشرة على جودة المنتجات وقدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية.
ولفت رئيس جمعية رجال الأعمال إلى أن هذه المنتجات مخصصة للتصدير بالكامل، وبالتالي توجيهها للسوق المحلي قد يؤدي إلى انهيار الأسعار، إذ إن السوق المحلي مكتف بالكميات المنتجة داخليًا، مؤكًدا أن الحكومة المصرية تمتلك أدوات لدعم المصدرين من خلال برامج لتعويض الأعباء الإضافية، كما حدث في فترات تقلبات الأسواق السابقة، مشددًا على ضرورة وضع آليات احترازية إضافية لمواجهة تأثيرات الحرب الإقليمية على الصادرات الزراعية، وضمان حماية مصالح المصدرين، مع الحفاظ على المخزون الاستراتيجي المحلي وعدم المساس باحتياجات السوق الداخلي.
وأكد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين القطاع الخاص والحكومة لضمان استمرار التصدير وتحقيق التوازن بين الأسواق المحلية والخارجية في ظل الأزمات العالمية.
رئيس المانجو المصرية: تراجع إمدادات الغاز يهدد إنتاج الأسمدة ويرفع تكاليف الزراعة والتصدير
قال أشرف الأنصاري، رئيس شركة المانجو المصرية للاستثمار والتنمية الزراعية، إن هناك حالة من القلق بشأن احتمالات تراجع إمدادات الغاز، لا سيما بالنسبة لمصانع الأسمدة، موضحًا أن مصر تُعد أكبر منتج للأسمدة في الشرق الأوسط، وأكبر منتجي الأسمدة الأزوتية على مستوى العالم، وهو ما يجعل أي اضطراب في إمدادات الغاز ينعكس بشكل مباشر على معدلات تشغيل المصانع.
وأشار إلى أن انخفاض كميات الغاز الموردة قد يؤدي إلى تراجع حجم الإنتاج، ومن ثم ارتفاع أسعار الأسمدة الأزوتية، التي تمثل العمود الفقري للإنتاج الزراعي، ما ينعكس بدوره على تكلفة الزراعة والإنتاج الغذائي بشكل عام.
وأضاف أن التأثيرات لا تقتصر على قطاع الأسمدة فقط، بل تمتد إلى ملف التصدير للأسواق الخارجية، فضلًا عن احتمالات تأثر إمدادات الغاز الموجهة إلى محطات الكهرباء، وهو ما قد ينعكس سلبًا على قدرة المحطات على التشغيل بكامل طاقتها لفترات طويلة، وقد يؤدي في حال استمرار النزاعات لفترة ممتدة إلى العودة لإجراءات تخفيف الأحمال.
وفيما يتعلق بالتصدير، أوضح أن أبرز التحديات تتمثل في ارتفاع تكاليف النقل والشحن، وزيادة المخاطر التأمينية على البضائع، إلى جانب تحويل بعض خطوط الملاحة مساراتها بعيدًا عن منطقة البحر الأحمر وقناة السويس تحسبًا للأحداث الجارية، وهو ما ينعكس على مدة الرحلات وتكلفتها وعدد الرحلات المتاحة للتصدير أو لاستيراد الخامات ومستلزمات الإنتاج.
وأكد أن الدولة المصرية وضعت هذه السيناريوهات في اعتبارها مبكرًا، من خلال التوسع في إنشاء محطات وسفن لاستقبال الغاز، وإبرام اتفاقيات مع عدد من الدول العربية، من بينها الجزائر والسعودية والإمارات، بما يعزز جاهزية الدولة للتعامل مع أي تطورات طارئة.
وشدد على أن لدى الدولة احتياطيًا جيدًا من السلع الغذائية يكفي لأكثر من ستة أشهر، فضلًا عن احتياطي نقدي أجنبي قادر على تغطية الاحتياجات الاستيرادية لفترة مناسبة لحين انقضاء الأزمة، مؤكدًا أن هناك رؤية استباقية تأخذ في الحسبان مختلف السيناريوهات التي قد تمس الأمن القومي والاقتصادي والغذائي.
نادر نور الدين: قفزة النفط وتحول مسارات الشحن يهددان أسعار الغذاء في مصر
حذر الدكتور نادر نور الدين، الخبير الدولي في شؤون الحبوب والأمن الغذائي، من أن التطورات العسكرية المتسارعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بدأت تُلقي بظلالها المباشرة على الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن الأيام الأولى فقط من المواجهات كانت كافية لإحداث ارتباك واسع في أسواق الطاقة والمعادن والنقل عالميًا.
وأوضح أن الأسواق العالمية تفاعلت سريعًا مع التصعيد، حيث قفزت أسعار النفط بشكل ملحوظ، وسجل خام برنت نحو 82 دولارًا للبرميل، بالتزامن مع صعود الذهب بنسبة تقارب 2%، في مؤشر واضح على اتجاه المستثمرين إلى الملاذات الآمنة، وأرجع هذه القفزات إلى المخاوف المرتبطة بتعطل الإمدادات، خاصة مع التوترات المحيطة بـ مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية.
وأشار إلى أن تداعيات الأزمة لم تتوقف عند حدود أسواق الطاقة، بل امتدت إلى حركة التجارة الدولية، إذ بدأت شركات ملاحة كبرى في تغيير مسارات سفنها لتجنب مناطق التوتر، مفضلة الإبحار عبر رأس الرجاء الصالح بدلًا من المرور عبر قناة السويس، وهو ما يهدد بتراجع إيرادات العبور ويزيد من تكاليف الشحن عالميًا، كما شهد قطاع الطيران إلغاء عدد كبير من الرحلات من وإلى المنطقة، ما يضاعف من حجم الخسائر الاقتصادية.
وأكد نور الدين أن مصر تتأثر بصورة مباشرة بهذه المتغيرات نظرًا لاعتمادها على الخارج في توفير نسبة كبيرة من احتياجاتها الغذائية، إذ تستورد ما يقرب من 65% من غذائها، بتكلفة تجاوزت 17 مليار دولار خلال العام الماضي، ومع ارتفاع أسعار الطاقة، ترتفع تلقائيًا تكاليف النقل البحري والجوي، فضلًا عن أقساط التأمين التي تقفز في أوقات النزاعات، خاصة عندما تُصنف بعض المناطق كمناطق عالية المخاطر.
وتطرق الخبير إلى العلاقة الوثيقة بين الطاقة والغذاء، موضحًا أن أي زيادة في أسعار النفط تنعكس على تكلفة الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي والنقل والتخزين، وهو ما يمهد لموجة جديدة من الغلاء في الأسواق العالمية خلال الفترة المقبلة.
وفيما يتعلق بزيوت الطعام، لفت إلى أن أسعارها بدأت بالفعل في التحرك صعودًا بعد فترة من التراجع، موضحًا أن أحد أسباب ذلك يعود إلى إمكانية استخدامها ضمن مكونات الوقود الحيوي في حال تراجع إمدادات المشتقات البترولية، حيث تدخل الزيوت النباتية في تصنيع أنواع من الديزل الحيوي بنسب مرتفعة، ما يزيد الطلب عليها عالميًا عند حدوث أزمات في سوق الطاقة.
واختتم نور الدين تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار التوترات قد يضغط بقوة على أسعار السلع الأساسية خلال الأسابيع المقبلة، مشيرًا إلى أن ما يحدث حاليًا يرتبط بعوامل دولية واضحة، تختلف عن موجات الارتفاع المحلية التي ترتبط أحيانًا بعوامل موسمية أو ممارسات احتكارية.