تمثل الأعلاف أحد أهم عناصر منظومة الإنتاج الحيواني والداجني في مصر، حيث ترتبط بشكل مباشر بتكلفة الإنتاج وأسعار اللحوم والألبان وبيض المائدة، وفي ظل الارتفاع الكبير في أسعار مدخلات الأعلاف عالميًا وزيادة الاعتماد على الاستيراد، تتجه الدولة إلى تعزيز الإنتاج المحلي من المحاصيل العلفية والاستفادة من الموارد المتاحة، وعلى رأسها المخلفات الزراعية.
وفي هذا السياق أكد الدكتور أشرف كمال أستاذ الاقتصاد الزراعي بمعهد بحوث الاقتصاد الزراعي أن زيادة إنتاج الأعلاف محليًا تمثل أولوية ضمن خطط الدولة لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الضغط على العملة الأجنبية.
البرسيم يتصدر الأعلاف الخضراء في مصر
أوضح الدكتور أشرف كمال أن التوسع في إنتاج الأعلاف محليًا يعد من القضايا الاستراتيجية التي تحظى باهتمام كبير من الدولة، سواء من خلال زيادة إنتاج الأعلاف الخضراء أو التوسع في زراعة محاصيل الحبوب المستخدمة في صناعة الأعلاف.
وأشار إلى أن محصول البرسيم يعد العلف الأخضر الأكثر انتشارًا في مصر، حيث تصل مساحته المزروعة إلى نحو 1.5 مليون فدان، وهو ما يجعله منافسًا رئيسيًا لمحصول القمح في الدورة الزراعية الشتوية.
وأضاف أن تقليص المساحة المزروعة بالبرسيم ليس أمرًا سهلاً نظرًا لأهميته الكبيرة في تغذية الثروة الحيوانية، إلا أنه يمكن ضمن استراتيجية التنمية الزراعية المستدامة خفض المساحة تدريجيًا إلى نحو مليون و250 ألف فدان، مع ضرورة توفير بدائل علفية مناسبة للحفاظ على توازن الإنتاج الحيواني.
المخلفات الزراعية فرصة لزيادة إنتاج الأعلاف
لفت أستاذ الاقتصاد الزراعي إلى أن مصر تمتلك فرصًا كبيرة لزيادة إنتاج الأعلاف من خلال الاستغلال الأمثل للمخلفات الزراعية، والتي تتجاوز كميتها سنويًا نحو 30 مليون طن.
وأوضح أن هذه المخلفات يمكن تحويلها إلى أعلاف ذات قيمة غذائية مرتفعة عبر تطبيق بعض المعاملات البسيطة، مثل إضافة نسب محددة من الأمونيا أو النشادر، وهي تقنيات تساعد على تحسين القيمة الغذائية للمخلفات الزراعية وجعلها مناسبة لتغذية الحيوانات.
كما أشار إلى إمكانية التوسع في زراعة بعض المحاصيل العلفية غير التقليدية مثل المورينجا وغيرها من النباتات التي تتحمل الظروف البيئية الصعبة، وتتميز بقدرتها على النمو في الأراضي الهامشية وتحمل ملوحة المياه، وهو ما يجعلها خيارًا مناسبًا لإنتاج الأعلاف دون التأثير على التركيب المحصولي التقليدي في الأراضي الزراعية.
أهمية وضع سياسة سعرية واضحة لمحاصيل الأعلاف
وشدد الدكتور أشرف كمال على أهمية وجود سياسة سعرية وتسويقية واضحة للمحاصيل العلفية، خاصة المحاصيل الاستراتيجية مثل الذرة الصفراء وفول الصويا وعباد الشمس، والتي تستخدم في إنتاج الزيوت والأعلاف.
وأوضح أن الدولة بدأت بالفعل في تحديد أسعار ضمان محفزة لهذه المحاصيل بهدف تشجيع المزارعين على التوسع في زراعتها وزيادة المساحات المزروعة بها، بما يسهم في توفير جزء أكبر من احتياجات صناعة الأعلاف محليًا.
كما أكد ضرورة إشراك القطاع الخاص في منظومة إنتاج الأعلاف، خاصة في مجال تدوير المخلفات الزراعية وتحويلها إلى أعلاف، مشيرًا إلى أن الدولة توفر التكنولوجيا اللازمة لذلك، وهو ما يتطلب إقامة شراكات فعالة بين الحكومة والقطاع الخاص لتعظيم الاستفادة من هذه الموارد.
الثروة الحيوانية ركيزة أساسية للأمن الغذائي
أكد أستاذ الاقتصاد الزراعي أن قطاع الثروة الحيوانية يعد من القطاعات الحيوية في الاقتصاد المصري، حيث يلعب دورًا مهمًا في توفير اللحوم الحمراء والبيضاء والألبان وبيض المائدة للسوق المحلي.
وأضاف أن هذا القطاع يمثل أيضًا أحد الركائز الأساسية لتحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، وهو ما دفع الدولة خلال السنوات الأخيرة إلى تنفيذ العديد من البرامج والمبادرات التي تستهدف تطوير الإنتاج الحيواني وزيادة إنتاج الأعلاف وتحسين كفاءة المزارع.
وتأتي هذه الجهود ضمن رؤية شاملة تستهدف دعم التنمية الزراعية المستدامة وتعزيز قدرة مصر على تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الاستيراد من الخارج.
الاعتماد على الاستيراد يمثل تحديًا كبيرًا
وأشار الدكتور أشرف كمال إلى أن مصر ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد مكونات الأعلاف الرئيسية لتلبية احتياجات قطاع الإنتاج الحيواني والداجني والسمكي.
وأوضح أن احتياجات مصر من الذرة الصفراء تتراوح بين 9 و10 ملايين طن سنويًا، إلى جانب نحو 2.5 مليون طن من فول الصويا الذي يستخدم كمصدر رئيسي للبروتين في الأعلاف.
وأضاف أن جزءًا كبيرًا من هذه الكميات يتم استيراده من الخارج، خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، بينما تعد البرازيل وأوكرانيا من أبرز الدول المصدرة للذرة الصفراء إلى مصر.
وأشار إلى أن فاتورة استيراد الذرة الشامية وحدها تصل إلى نحو 2 مليار دولار سنويًا، بينما تقدر قيمة واردات الحبوب المختلفة، بما فيها الذرة وفول الصويا، بنحو 8.56 مليار دولار، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على العملة الأجنبية.
الأعلاف التحدي الأكبر أمام المربين
أوضح أستاذ الاقتصاد الزراعي أن الأعلاف تعد من أكبر التحديات التي تواجه المربين في قطاعات الإنتاج الحيواني والداجني والسمكي، نظرًا لارتفاع تكلفتها واعتماد جزء كبير من مكوناتها على الاستيراد من الخارج.
وأشار إلى أن تقلبات الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد الدولية تزيد من حدة هذه المشكلة، وهو ما يجعل التوسع في إنتاج الأعلاف محليًا أمرًا ضروريًا لتقليل المخاطر الاقتصادية.
جهود الدولة لزيادة إنتاج الأعلاف محليًا
أكد الدكتور أشرف كمال أن الحكومة أطلقت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من البرامج والمبادرات التي تستهدف زيادة إنتاج الأعلاف محليًا وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ومن بين هذه الجهود التوسع في زراعة المحاصيل العلفية مثل الذرة وفول الصويا، حيث تعمل وزارة الزراعة على زيادة المساحات المزروعة بهذه المحاصيل ضمن الاستراتيجية الوطنية لتأمين الاحتياجات العلفية.
ويهدف هذا التوجه إلى توفير احتياجات السوق المحلي من الأعلاف، بالإضافة إلى تكوين مخزون استراتيجي يمكن الاعتماد عليه في مواجهة الأزمات العالمية.
كما تتبنى الدولة خطة طموحة لإعادة تدوير المخلفات الزراعية والغذائية وتحويلها إلى أعلاف، وتشمل هذه المخلفات التبن وقش الأرز وبقايا الخضر والفاكهة، حيث تستهدف الخطة إعادة تدوير نحو 65 مليون طن من هذه المواد سنويًا.
وتتضمن هذه الجهود كذلك تقديم دعم فني ومالي للمربين، وتسهيل إجراءات تسجيل مخاليط الأعلاف، وإنشاء مراكز إرشادية ووحدات خدمة في مختلف المحافظات بهدف دعم قطاع الإنتاج الحيواني وتحسين جودة الأعلاف المستخدمة في التربية.