تشهد سوق الفضة، في المرحلة الراهنة، حالة معقدة من التفاعل بين العوامل النقدية والجيوسياسية، قرب 73.89 دولار، وهو ما يجعل أي قراءة سطحية لحركة الأسعار مضللة إلى حد كبير.
ويرى خبراء بنوك الاستثمار الدولية أن التحرك الأخير في سعر الفضة لا يمكن اعتباره تحولًا هيكليًا، بقدر ما يمثل استجابة تكتيكية لتراجع الدولار الأمريكي عن مكاسبه الأخيرة.
وفي هذا السياق، قالت رانيا جول، كبير محللي الأسواق في XS.com الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، إن التراجع الأخير للدولار أعاد بعض الجاذبية النسبية للفضة، خاصة في ظل العلاقة العكسية التقليدية بين الطرفين، لكن ذلك لم يكن كافيًا لتغيير الصورة العامة التي لا تزال تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.
وأضافت: “عند النظر إلى تحركات السوق، حيث اقتربت الفضة من مستوى 74.00 دولار، أرى أن هذا الصعود يعكس، بالدرجة الأولى، إعادة تسعير قصيرة الأجل من قبل المستثمرين الذين استغلوا ضعف الدولار كمحفز للدخول”.
“هذا النوع من التحركات غالبًا ما يكون هشًا، لأنه لا يستند إلى تحول جوهري في الأساسيات الاقتصادية، وبالتالي فإن استمرار هذا الاتجاه الصاعد دون دعم من عوامل أعمق قد يكون بحاجة للحذر، وعدم المبالغة في تفاؤله”، هذ ما أكدته رانيا جول، موضحة أنه من الناحية النقدية، يظل الدولار الأمريكي هو العامل الأكثر تأثيرًا في توجيه أسعار الفضة، إذ إن استقرار مؤشر الدولار حول مستويات قريبة من 99.20 بعد تراجعه الطفيف يعكس حالة من التوازن الحذر في الأسواق، حيث لا يوجد اتجاه واضح حتى الآن.
كما ترى كبير محللي الأسواق في XS.com الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، أن أي ضعف إضافي في الدولار قد يمنح الفضة دَفعة مؤقتة، لكن هذا السيناريو يظل مرهونًا بسياسات الاحتياطي الفيدرالي، وتوقعات أسعار الفائدة، وهي عوامل لا زالت تميل إلى دعم الدولار نسبيًا، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة.
كما يعد العامل الجيوسياسي العنصر الأكثر تعقيدًا في معادلة الفضة الحالية، فالتوترات في الشرق الأوسط، وخاصة ما يتعلق بالعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، تضيف طبقة من الغموض يصعب تسعيرها بشكل دقيق، هذا بحسب تحليل رانيا الجول التي أضافت أن قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بتعليق الضربات العسكرية على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، عكس محاولة لاحتواء التصعيد، لكنه في الوقت ذاته لا يشير إلى حل دائم، بل على العكس فإن رفض إيران الدخول في محادثات مباشرة يعزز من احتمالات استمرار التوتر، وهو ما يبقي الأسواق في حالة ترقب دائم.
وبحسب رأي رانيا جول فإنه من الناحية النظرية يفترض أن تؤدي مثل هذه التوترات إلى زيادة الطلب على الملاذات الآمنة، بما في ذلك الفضة، لكن الواقع الحالي يظهر مفارقة واضحة، فالمعادن النفيسة لا تستفيد بشكل كامل من هذه الظروف.
وتابعت: “من وجهة نظري، يعود السبب الرئيسي إلى تأثير ارتفاع أسعار الطاقة، الذي ينعكس بدوره على توقعات السياسة النقدية العالمية، فمع ارتفاع التضخم الناتج من تكاليف الطاقة، تصبح البنوك المركزية أقل ميلًا إلى خفض أسعار الفائدة، بل قد تضطر إلى الإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول، وهذا التحول في التوقعات النقدية يشكل ضغطًا مباشرًا على الفضة، كونها أصلًا غير مدر للعوائد".
“المستثمرون في مثل هذه البيئة يميلون إلى تفضيل الأصول التي توفر عوائد، مثل السندات أو حتى الدولار نفسه، على حساب المعادن النفيسة، لذلك، أرى أن الفضة عالقة حاليًا بين قوتين متعارضتين هما: دعم نظري من التوترات الجيوسياسية، وضغط فعلي من السياسة النقدية المتشددة، علاوة على ذلك، فإن غياب الوضوح في الموقف الإيراني يزيد من تعقيد المشهد”، واصلت رانيا جول تحليلها موضحة أن التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين، والتي تنفي وجود أي محادثات مع الولايات المتحدة، تعكس تصلبًا في الموقف السياسي، وهو ما يقلل من احتمالات التهدئة في المدى القريب.
وتتوقع كبير محللي الأسواق في XS.com الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، أن يدعم هذا السيناريو الدولار الأمريكي كملاذ آمن أكثر من الفضة، خاصة إذا استمرت الأسواق في ربط المخاطر الجيوسياسية بالقوة النسبية للاقتصاد الأمريكي.
ومن زاوية تحليلية أوسع، تعتقد رانيا جول أن السوق تمر بمرحلة إعادة تقييم شاملة لمفهوم “الملاذ الآمن”، لا سيما وأن الفضة والذهب يعدان المستفيد الأساسي من أي توتر جيوسياسي، لكن في البيئة الحالية، أصبح الدولار نفسه يلعب هذا الدور بشكل أكثر وضوحًا، وهذا التحول يفسر جزئيًا لماذا لا نشهد ارتفاعات قوية في الفضة رغم تصاعد المخاطر.
وبناءً على كل ما سبق، فإن تتوقع رانيا جول بقاء سعر الفضة ضمن نطاق متذبذب في المدى القريب، مع ميل طفيف للصعود، طالما استمر الدولار في فقدان بعض زخمه، هذا بالإضافة إلى إمكانية بدء اتجاه صاعد قوي ومستدام، في حال تحقق أحد شرطين: إما تحول واضح نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا عالميًا، أو تصعيد جيوسياسي حاد يدفع المستثمرين بشكل جماعي نحو المعادن النفيسة.
وأتمت رانيا جول تحليلها بالقول إن التعامل مع الفضة في الوقت الحالي يجب أن يكون بحذر شديد، مع التركيز على التحركات قصيرة الأجل بدلًا من بناء مراكز طويلة الأمد، فالسوق، من وجهة نظري، لا زالت تفتقر إلى المحفز الأساسي الذي يمكن أن يحدد اتجاهه بشكل واضح، وهو ما يجعل الضبابية السمة الغالبة على المرحلة الحالية.