قال المهندس رائد الصعوب، الأمين العام لاتحاد الأسمدة السابق، إن الأزمة الجيوسياسية الراهنة المرتبطة بتعطل الملاحة في مضيق هرمز انعكست بشكل مباشر على سوق الأسمدة عالميًا، موضحًا أن التأثير الأكبر الذي تشهده مصر حاليًا يتمثل في ارتفاع تكلفة الإنتاج والأسعار في السوق الحر، وليس في نقص الإمدادات أو اختفاء المنتج من السوق.
وأوضح أن مضيق هرمز يُعد من أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الأسمدة عالميًا، حيث يمر عبره نحو 30% من حجم التجارة المنقولة بحرًا، وهو ما أدى إلى اضطراب واضح في سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار اليوريا عالميًا بنسبة تتراوح بين 30% و40%، لتتجاوز مستويات 700 دولار للطن مقارنة بأقل من 500 دولار قبل الأزمة، بالتزامن مع صعود أسعار الأمونيا والمواد الخام الأخرى، وارتفاع أسعار أسمدة الفوسفات في الأسواق الدولية، خاصة في آسيا.
وأضاف أن السوق المصري لم يكن بعيد عن هذه التطورات، حيث شهدت الأسعار في السوق الحر ارتفاعات ملحوظة، خصوصًا في الأسمدة النيتروجينية مثل اليوريا ونترات النشادر، في حين لا تزال منظومة الدعم الحكومي للمزارعين المسجلين توفر أسعارًا أقل بكثير، وهو ما يخلق فجوة سعرية كبيرة بين السوقين، ويجعل المزارعين غير المرتبطين بالمنظومة الرسمية أكثر تأثرًا بتقلبات الأسعار العالمية.
وأشار إلى أن مصر لا تعاني من عجز هيكلي في إنتاج الأسمدة، حيث تمتلك قاعدة إنتاج قوية قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلي والتصدير، إلا أن القطاع يظل مرتبطًا بشكل وثيق بتوافر الغاز الطبيعي وأسعاره، باعتباره المدخل الرئيسي في صناعة الأسمدة النيتروجينية، وهو ما يجعل الصناعة عرضة للتأثر بأي اضطرابات في سوق الطاقة العالمية.
ولفت "الصعوب" إلى أن ارتفاع أسعار الغاز عالميًا وزيادة فاتورة استيراد الغاز في مصر خلال الفترة الأخيرة انعكس على تكلفة الإنتاج، مما يزيد من الضغوط على المصانع ويؤثر بشكل غير مباشر على استقرار الأسعار محليًا، رغم استمرار تشغيل المصانع وعدم وجود مؤشرات على توقف واسع في الإنتاج حتى الآن.
وأكد أن استمرار الأزمة لفترات طويلة قد يفرض تحديات إضافية على القطاع الزراعي، خاصة في المحاصيل كثيفة الاستخدام للأسمدة مثل الذرة، والتي ترتبط بشكل مباشر بصناعة الأعلاف، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على أسعار الدواجن واللحوم، في حين يظل القمح أقل تأثرًا على المدى القصير نتيجة تدخل الدولة عبر سياسات التسعير والتوريد.
وأضاف أن استمرار الاضطرابات في أسواق الطاقة والأسمدة عالميًا قد يؤدي إلى موجة أوسع من التضخم الغذائي، في ظل ارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية واتجاه بعض الدول إلى تقييد صادراتها من الأسمدة لحماية أسواقها المحلية، الأمر الذي يقلل من مرونة السوق العالمية ويزيد من حدة التقلبات في الأسعار.
وأكد على أن مصر قادرة في الوقت الحالي على امتصاص جزء كبير من صدمات السوق بفضل وفرة الإنتاج المحلي واستمرار منظومة الدعم، إلا أن العامل الحاسم في المرحلة المقبلة سيظل مرتبطًا بمدى استمرار الاضطرابات الجيوسياسية وأسعار الطاقة عالميًا، وما إذا كانت سلاسل الإمداد ستستعيد استقرارها خلال الفترة المقبلة أم لا.