عندما صنعت مصر سلامًا في عهد الرئيس السادات انقسم العرب وغادروا المشهد تاركين مصر وحدها تواجه تبعات القرار، وعندما انحصرت القضية الفلسطينية وافتعلت أزمة غزة تصدت مصر بمفردها لوقف التهجير، ولم يكن ذلك استثناءً بل امتدادًا لنمط متكرر فعندما وقفت لدعم سوريا ومنعها من الانزلاق في الفوضى كان هناك من يدعم شرعية زائفة وفوضى قادمة من تنظيمات متطرفة.
وعندما أغلقت مصر بابً في وجه سفير الكيان لديها اندفع اَخرون إلى تطبيع كامل أفواجًا في الشوارع وفي المحلات والمطاعم والتجارة في مشهد يعكس بوضوح حالة النقيض بالنقيض.
ومن هذا التناقض ننتقل إلى مشهد خليجي أكثر تعقيدًا إذ لم يلبث أي تحالف أن يتماسك حتى بدأت ملامح التباعد تظهر بين السعودية والإمارات في وقت تتزايد فيه الضغوط الإقليمية والدولية.
ولم يمر عام إلا وحضرت الولايات المتحدة ومعها الكيان لشرعنة حرب إقليمية تضرب فيها إسرائيل إيران فترد إيران مستهدفة الإمارات ب 65% من الهجمات، ولم تتحرك ضد السعودية التي من المفترض أن بينهما عداء سني شيعي المحتدم منذ عقود.
ولم تتحرك السعودية ضد أحد لا بالإيجاب ولا بالسلب، ولم يتحرك الخليج في مجلس الأمن، وكأن هناك ثمة اتفاقيات سياسية متعددة في الكواليس لا يعلمها إلا الله.
وفي ظل هذا التعقيد تضرب إيران إسرائيل وتكيل إسرائيل الضربات للأشقاء في الخليج في حين وقف الخليج مع مصر فترة الأحداث ومصر وقفت مع الخليج في غزو الكويت وعشرات المواقف الأخرى ورغم تشابك هذه العلاقات فنحن شهدنا تقاربًا مصريًا إماراتيًا يتوازي مع تقارب الإمارات مع حميدتي ومع أبي أحمد وفي صومالي لاند.
حقًا إن الأوراق تزداد خلطًا والعقليات العادية لا تستطيع الاستيعاب وما يزال العبث مستمرًا وتزداد وتيرة غلق مضيق هرمز وفي حين طلب أمريكا لهدنة للتفاوض فلا تستمع إسرائيل لذلك.
وعلى صعيد الشارع الخليجي فهناك من يلومون على مصر ويطالبونها بالتدخل، مع ذلك لم تطلب حكوماتهم من مصر التدخل لكن أوفت مصر بالوعد وذهبت برمزها للخليج لدعمه.
إذن الصورة معقدة وكل الأوراق أصبحت خالية من "الطهارة" فالأوراق مبعثرة لا تدري الاَن من مع من ومن ضد من وعليه أين الصين وأساطيلها من حرب الطاقة؟ وهل انتهت روسيا من حربها مع أوكرانيا؟ هل لدى أحد أي خبر؟ أعتقد لا يوجد خبر.
وفي انعكاس مباشر لهذا الاضطراب فالعالم على حافة الهاوية وهناك من يمسك بالميكروفون لينطق بكلمة فتُهدأ أسعار النفط وتذهب للانخفاض التدريجي ثم عشية ذات اليوم تخرج بعض الطلقات العشوائية فيرتفع سعر النفط جنونيًا.
وتظل الدوامة والدراما العبثية تتبادلان الأدوار هل يفهم أحد شيئًا؟
وفي الخلفية الأعمق لكل ذلك تأتي التغييرات المناخية والظروف والظواهر الديموغرافية والأنظمة المالية وأدواتها العفنة إلى وصول الدين العام العالمي إلى أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وفي النهاية دول تنهب دولاً وتسرق مقدرات وثروات دول ودول غنية بالثروات تصاب بنقمة الموارد ويتكالب عليها الثعالب ودول فقيرة تزداد فقرًا وجوعًا وتُسلب منها الموارد والإدارة إنه عالم غريب حيث كل الأوراق مبعثرة ومتناثرة.
نسأل الله في زمن الدومانيوز السياسية والأوراق المقلوبة أن يحفظ مصر وأهلها