تتجه الأنظار إلى اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المقرر عقده في الثاني أبريل 2026، وسط حالة من الترقب بشأن مصير أسعار الفائدة في ظل ضغوط تضخمية متجددة وارتفاع أسعار الوقود وتوترات جيوسياسية متصاعدة، ورغم عودة التضخم إلى الواجهة، رجح مصرفيين أن يميل البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة بدلًا من استئناف خفضها أو اللجوء إلى رفع جديد، باعتبار أن الضغوط الحالية ترتبط في الأساس بصدمات عرض وتكلفة، لا بزيادة في الطلب المحلي، مؤكدين أن "التثبيت" يبدو الخيار الأكثر اتزانًا لحين اتضاح أثر المتغيرات الأخيرة على السوق.
عز الدين حسانين: تحريك الوقود سيعيد ترتيب الأولويات
بدوره قال الدكتور عز الدين حسانين، الخبير المصرفي، إن البنك المركزي المصري قد يتجه إلى "فرملة" مسار خفض أسعار الفائدة خلال اجتماعه المرتقب في 2 أبريل 2026، في ظل المتغيرات الاقتصادية المفاجئة التي فرضتها القرارات الأخيرة بتحريك أسعار الوقود، إلى جانب تصاعد الضغوط الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
وأوضح حسانين أن الاقتصاد دخل بالفعل في مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"إدارة الضغوط"، بعدما كانت التوقعات تميل في بداية العام إلى استمرار مسار التيسير النقدي، خاصة بعد خفض الفائدة بنسبة 1% مطلع 2026، ضمن خطة كانت تستهدف خفضًا إجماليًا يتراوح بين 5% و6% على مدار العام.
وأضاف أن قرار الحكومة بتحريك أسعار الوقود في 10 مارس 2026، بنسب تراوحت بين 17% و22%، غيّر المشهد بشكل واضح، وأعاد ترتيب أولويات لجنة السياسة النقدية، مشيرًا إلى أن هذا القرار جاء في توقيت حساس، بالتزامن مع قفزة في أسعار النفط العالمية من نحو 62 دولارًا إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، وهو ما فرض ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة للدولة.
وأكد أن الحكومة وجدت نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، موضحًا أن كل زيادة قدرها دولار واحد في سعر برميل خام برنت تُحمّل الموازنة العامة نحو 5 مليارات جنيه إضافية، كما أن كل ارتفاع بمقدار جنيه واحد في سعر الدولار يرفع تكلفة استيراد الوقود بنحو 20 مليار جنيه، وهو ما يضع المالية العامة تحت ضغط مزدوج بين ارتفاع أسعار النفط وصعود سعر الصرف.

وأشار إلى أن الجنيه المصري تعرض لضغوط ملحوظة خلال الفترة الأخيرة، مع تراجع يُقدَّر بنحو 13%، نتيجة حالة التوتر في الأسواق وخروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وهو ما زاد من تعقيد مهمة البنك المركزي في هذه المرحلة.
وقال حسانين إن البنك المركزي، الذي نجح خلال الفترة الماضية في خفض معدل التضخم الأساسي إلى نحو 11.2%، أصبح الآن في وضع دفاعي هدفه الأول حماية استقرار الأسعار، لافتًا إلى أن زيادة أسعار المحروقات مرشحة لإحداث موجة تضخمية جديدة خلال شهري مارس وأبريل، مدفوعة بارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما قد ينعكس سريعًا على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية.
وأضاف أن لجنة السياسة النقدية باتت أمام سيناريوهين رئيسيين خلال اجتماع أبريل المقبل، أولهما وهو الأقرب من وجهة نظره يتمثل في تثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية البالغة 19% للإيداع و20% للإقراض، وذلك بهدف منح السوق فرصة لامتصاص أثر زيادة الوقود، ومراقبة الانعكاسات الفعلية على معدلات التضخم وسعر الصرف قبل اتخاذ أي خطوة جديدة.
وأوضح حسانين أن السيناريو الثاني، وإن كان أقل ترجيحًا، يتمثل في رفع طفيف للفائدة بنحو 100 نقطة أساس، إذا ما شهدت الأسواق قفزة حادة في معدلات التضخم أو تسارعًا في وتيرة خروج ما يُعرف بـ"الأموال الساخنة"، لكنه استبعد هذا الخيار في الوقت الراهن، نظرًا لما قد يسببه من زيادة مباشرة في أعباء خدمة الدين العام، وهو ما لا تتحمله المالية العامة بسهولة في الظروف الحالية.
وشدد على أن ما حدث لا يعني إلغاء مسار خفض الفائدة بشكل كامل، لكنه يعني بوضوح تأجيل هذا المسار مؤقتًا، مؤكدًا أن الأولوية القصوى لدى البنك المركزي في المرحلة الحالية لم تعد دعم النمو عبر التيسير النقدي، وإنما الحفاظ على استقرار الأسعار واحتواء أي موجة تضخمية محتملة، خاصة في ظل بيئة إقليمية شديدة الحساسية وسريعة التغير.
وأكد حسانين أن اجتماع أبريل سيكون اجتماعًا "حذرًا بامتياز"، وأن قرار التثبيت يبدو الأقرب والأكثر اتساقًا مع المعطيات الحالية، إلى حين اتضاح الصورة بشكل أكبر خلال الربع الثاني من العام.
وليد عادل: التضخم المستورد وعدم اليقين العالمي يدعمان سيناريو التثبيت
ومن خلاله قال وليد عادل، الخبير المصرفي، إن التوقعات الأقرب لاجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري خلال أبريل 2026 تشير إلى اتجاه البنك المركزي نحو تثبيت أسعار الفائدة، في ظل مجموعة من الاعتبارات الاقتصادية والمالية المعقدة التي تجعل من الإبقاء على المستويات الحالية الخيار الأكثر توازنًا في المرحلة الراهنة.
وأوضح عادل أن هذا السيناريو تدعمه عدة عوامل، في مقدمتها استمرار حالة عدم اليقين على الساحة العالمية، إلى جانب الضغوط التضخمية المرتبطة بتطورات أسعار الطاقة والتجارة الدولية، لافتًا إلى أن صناع السياسة النقدية باتوا أكثر ميلًا للحذر في اتخاذ القرارات خلال هذه المرحلة الدقيقة.
_2926_012837.jpg)
وأضاف أن أحد أهم الأسباب التي تدفع نحو التثبيت يتمثل في طبيعة التضخم الحالي داخل الاقتصاد المصري، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الضغوط التضخمية لا يرتبط بزيادة الطلب المحلي، وإنما يعود بالأساس إلى عوامل خارجية، مثل ارتفاع تكاليف الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتوترات الجيوسياسية في المنطقة، وعلى رأسها أزمة الملاحة في البحر الأحمر.
وأكد الخبير المصرفي أن مثل هذا النوع من التضخم يُصنَّف ضمن الضغوط المستوردة أو تضخم التكلفة، وهو ما يجعل أداة سعر الفائدة أقل فاعلية في مواجهته، لأن المشكلة الأساسية لا تكمن في زيادة الإنفاق المحلي، وإنما في ارتفاع تكلفة الاستيراد ومدخلات الإنتاج.
كما أشار عادل إلى أن السبب الثاني وراء ترجيح تثبيت أسعار الفائدة يتعلق بضرورة تجنب فرض ضغوط إضافية على النشاط الاقتصادي، موضحًا أن الاقتصاد المصري مرّ بالفعل بدورة تشديد نقدي قوية خلال السنوات الماضية، وهو ما رفع تكلفة الاقتراض على الشركات والقطاع الخاص بشكل ملحوظ.
وأضاف أن أي زيادة جديدة في أسعار الفائدة قد تؤدي إلى تباطؤ وتيرة الاستثمار والإنتاج، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى الحفاظ على معدلات النمو ودعم القطاع الخاص وتوفير فرص العمل، خاصة مع استمرار التحديات الإقليمية والدولية التي تؤثر على بيئة الأعمال.
ولفت إلى أن العامل الثالث الذي يدعم سيناريو التثبيت يتمثل في حالة الاستقرار النسبي التي يشهدها سوق الصرف منذ تحرير سعر الصرف الأخير، مؤكدًا أن تحرك الجنيه بشكل أكثر مرونة داخل السوق ساهم في تخفيف الضغوط على السياسة النقدية، وقلّل من الحاجة إلى استخدام أسعار الفائدة كأداة دفاعية لحماية العملة أو امتصاص الصدمات المرتبطة بسوق النقد الأجنبي.
وأوضح أن استقرار سوق الصرف، ولو بشكل نسبي، يمنح البنك المركزي مساحة أكبر للتريث، ويتيح له التركيز بشكل أكبر على تقييم أثر المتغيرات الخارجية على التضخم المحلي، بدلًا من اللجوء إلى قرارات سريعة قد تحمل كلفة مرتفعة على الاقتصاد الحقيقي.
وشدد عادل على أن عنصر الترقب يظل حاسمًا في هذا التوقيت، موضحًا أن صناع السياسة النقدية يفضلون عادة في مثل هذه الظروف الانتظار ومراقبة تطورات التضخم العالمي، وأسعار الطاقة، ومسار التجارة الدولية، قبل اتخاذ أي خطوات جديدة، خاصة مع تصاعد المخاوف المرتبطة بتباطؤ الاقتصاد العالمي واحتمالات حدوث تشدد مالي دولي قد ينعكس على الأسواق الناشئة.
وأكد أن تثبيت أسعار الفائدة في اجتماع أبريل يبدو الخيار الأكثر اتزانًا، لأنه يمنح الاقتصاد المصري فرصة لامتصاص الصدمات الحالية دون تحميله ضغوطًا نقدية إضافية، كما يسمح للبنك المركزي بالحفاظ على قدر من المرونة في التعامل مع أي تطورات مفاجئة خلال الفترة المقبلة.
وشدد عادل على أن المرحلة الحالية تتطلب قرارات محسوبة بدقة، وأن التثبيت في هذا التوقيت لا يعني التخلي عن أي مسار مستقبلي للسياسة النقدية، وإنما يعكس نهجًا حذرًا يوازن بين احتواء التضخم والحفاظ على وتيرة النشاط الاقتصادي.
أيمن حسن سليمان: "الصبر النقدي" الخيار الأذكى في مواجهة صدمة الأسعار
ومن ناحيته قال أيمن حسن سليمان، الخبير المصرفي، إن التوقعات الأقرب لاجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، المقرر عقده في 2 أبريل 2026، تميل إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، رغم تصاعد الضغوط التضخمية وعودة معدل التضخم إلى الارتفاع عند مستوى 13.4%، إلى جانب التداعيات الناتجة عن زيادة أسعار المحروقات والتوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وأوضح سليمان أن المشهد الاقتصادي الحالي يتسم بدرجة عالية من التعقيد، في ظل تداخل العوامل المحلية مع التطورات الإقليمية والدولية، وهو ما يفسر حالة الانقسام بين بعض المحللين بشأن القرار المنتظر، ما بين من يفضل "رفعًا احترازيًا" للفائدة لمواجهة موجة التضخم الجديدة، وبين من يرى أن "التثبيت" يظل الخيار الأكثر توازنًا وواقعية في هذه المرحلة.
وأضاف أن السيناريو الأرجح من وجهة نظره هو تثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية البالغة 19% للإيداع و20% للإقراض، لافتًا إلى أن هذا التوجه يستند إلى عدة اعتبارات جوهرية، في مقدمتها أن البنك المركزي يتعامل حاليًا بمنهجية تقوم على "انتظار انقشاع الرؤية" قبل اتخاذ أي خطوات إضافية.

وأشار الخبير المصرفي إلى أن أثر زيادة أسعار الوقود، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية المتصاعدة، خاصة بين إيران وإسرائيل، لا يظهر بشكل كامل وفوري على مؤشرات الاقتصاد الكلي، وإنما يحتاج عادة إلى فترة تتراوح بين 3 إلى 6 أشهر حتى تتضح انعكاساته الفعلية على مستويات الأسعار، وسلوك الأسواق، وحركة السيولة.
وأكد سليمان أن أي تحرك سريع نحو رفع أسعار الفائدة في هذا التوقيت قد يكون بمثابة استعجال غير مبرر، خاصة قبل اتضاح الحجم الحقيقي للصدمة ومدى استمرارها، موضحًا أن السياسة النقدية الرشيدة لا تُبنى على ردود فعل لحظية، وإنما على قراءة دقيقة للبيانات واتجاهات السوق خلال فترة زمنية كافية.
وأضاف أن طبيعة التضخم الحالية تمثل عاملًا حاسمًا في ترجيح قرار التثبيت، موضحًا أن ما يشهده الاقتصاد المصري الآن هو في الأساس "تضخم تكلفة"، ناتج عن صدمات العرض وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وليس "تضخم طلب" تقليدي يمكن كبحه عبر رفع أسعار الفائدة.
وشدد على أن أدوات السياسة النقدية تكون أكثر فاعلية عندما يكون التضخم ناتجًا عن زيادة الطلب المحلي أو التوسع الائتماني، أما في حالة ارتفاع الأسعار بسبب تكاليف الاستيراد والطاقة والنقل، فإن رفع الفائدة قد لا يحقق الأثر المطلوب، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية من خلال زيادة تكلفة التمويل على الشركات والقطاع الإنتاجي.
وأوضح أيمن حسن سليمان أن رفع أسعار الفائدة في هذه المرحلة قد يضيف أعباءً جديدة على المنتجين والمستثمرين، في وقت يواجه فيه القطاع الخاص بالفعل تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف التشغيل والتمويل، كما أن أي زيادة إضافية في الفائدة ستنعكس بشكل مباشر على تكلفة خدمة الدين العام، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة للدولة.
وأشار إلى أن تثبيت أسعار الفائدة في اجتماع أبريل يبعث برسالة طمأنة مهمة إلى مجتمع الأعمال والقطاع الخاص، مفادها أن البنك المركزي لا يتجه إلى تشديد نقدي جديد قد يعرقل النشاط الاقتصادي، بل يسعى إلى تحقيق توازن بين احتواء الضغوط التضخمية والحفاظ على زخم النمو.
وأضاف أن الرهان الأساسي في هذه المرحلة يتمثل في أن الموجة التضخمية الحالية تحمل طابع "الصدمة العابرة"، باعتبارها مرتبطة بقرارات هيكلية داخلية، مثل تحريك أسعار المحروقات، وبعوامل خارجية مرتبطة بالتوترات السياسية وارتفاع أسعار الطاقة، وليس نتيجة اختلالات هيكلية مستدامة في جانب الطلب أو السياسة النقدية.
واستطرد أن "الصبر النقدي" يبدو الخيار الأكثر حكمة في هذا التوقيت، موضحًا أن التثبيت يمنح البنك المركزي مساحة أكبر لمراقبة تطورات السوق واستيعاب الضغوط الحالية دون الإفراط في رد الفعل، وهو ما يجعله القرار الأقرب للمنطق الاقتصادي في اجتماع أبريل المقبل.