الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
دوة إلكترونية دوة إلكترونية

التحول من الإدارة الفردية إلى بناء منظمة مستدامة ندوة بـ«التصديري للصناعات الغذائية»

نظم المجلس التصديري للصناعات الغذائية ندوة إلكترونية عبر تطبيق «زووم» بعنوان «التحول من الإدارة الفردية إلى بناء منظمة مستدامة وقابلة للتوسع»، تناولت واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بمستقبل الشركات ونموها، وهي كيفية الانتقال من مرحلة يقود فيها صاحب العمل كل شيء بنفسه، إلى مرحلة أكثر نضجًا تصبح فيها الشركة مؤسسة قادرة على التوسع والاستمرار والعمل وفق نظام واضح لا يتوقف على وجود شخص واحد في كل تفصيلة.
وقال أحمد صلاح، مدير تطوير الأعمال في أحد البنوك، إن هناك مجموعة من السمات المشتركة التي تظهر في شركات كثيرة، ليس في مجال واحد فقط، ولكن في مجالات مختلفة، حيث تبقى الشركة حبيسة نموذج الإدارة الفردية، ولا تتحول إلى مؤسسة مكتملة الأركان قادرة على التوسع والعمل المستقر.
وأشار إلى أن السؤال الجوهري هو: ما الذي يجعل شركة تظل على حالها سنوات طويلة دون تطور سريع، بينما تنجح شركة أخرى في القطاع نفسه في التوسع وبناء فروع متعددة وتثبيت وجودها في السوق؟ موضحًا أن الفارق، في كثير من الأحيان، لا يكون في السوق نفسه، ولا في الفرص المتاحة فقط، بل في طريقة التفكير والإدارة، وفي قدرة صاحب النشاط على الانتقال من فكرة أنه يدير كل شيء بنفسه، إلى فكرة أنه يبني كيانًا تتحرك أجزاؤه بوضوح وكفاءة.
وأضاف أحمد صلاح أن الجميع يرى براندات تجارية قديمة جدًا في القاهرة أو غيرها، لها تاريخ طويل، لكنها بعد كل هذه العقود ما زالت عند النقطة نفسها، وكأن الزمن مر عليها من دون أن يغير موقعها أو حجمها.
ولفت إلى أن بقاء النشاط في هذه الصورة طوال هذه السنوات لا يمكن تفسيره دائمًا بعوامل خارجية، لأن صاحب النشاط نفسه يكون هو صاحب القرار الأول والأخير، وهو الطرف الذي يحدد: هل تظل الشركة كما هي، أم تتحول إلى كيان أكبر وأكثر قدرة على التوسع.


وأكد أن الإدارة الفردية «one man show» في حد ذاتها ليست خطأ في بدايات الشركات، بل هي في أحيان كثيرة أمر طبيعي ومفهوم، لأن المؤسس يكون في مرحلة تأسيسية حساسة، ويريد أن يطمئن على كل شيء بنفسه لكن الخطأ يبدأ حين تبقى الشركة أسيرة هذا النموذج لسنوات طويلة، وحين يصبح صاحبها هو المرجع في كل شيء، والقائم بكل شيء، حتى بعد أن يكبر النشاط وتصبح الحاجة ملحة إلى الانتقال من الإدارة المباشرة إلى الإدارة المؤسسية.
وقال إن بعض أصحاب الشركات يريدون التوسع بسرعة، لكن من دون بناء أسس حقيقية تسبق هذا التوسع، فيعتمدون مثلًا على الثقة الشخصية وحدها، أو يأتون بأشخاص من دوائرهم القريبة ويمنحونهم مناصب كبيرة داخل الشركة من دون أن تكون لديهم خبرات وظيفية حقيقية، ثم يتصورون أن هذا يمكن أن يقود إلى بناء مؤسسة ناجحة.


وأكد أن هذا النموذج لا يصنع شركة قابلة للتوسع، لأن البزنس له هيكل محدد، وله أسس ونظام، ولا بد أن تكون الشركة قادرة على أن تعمل بالكفاءات الموجودة فيها، لا أن تبقى معلقة بإرادة فرد واحد أو دائرة ضيقة من المحيطين به.

وقال إن بعض المؤسسين يرفضون فكرة فتح فرع جديد أو توسيع النشاط، ليس لأنهم لا يريدون النمو، بل لأنهم يشعرون أن التوسع يعني بالضرورة فقدان السيطرة المباشرة على كل شيء. وهنا تكمن المشكلة، لأن المؤسسة لا تُبنى على فكرة أن المالك يرى كل حركة بنفسه، وإنما على أن يضع نظامًا يمنع الخطأ ويضبط الأداء ويوزع المسؤوليات بوضوح.
وأوضح أن صاحب النشاط حين يتمسك بالبقاء داخل كل التفاصيل ويتعامل بنفسه باعتباره الشخص الوحيد القادر على المتابعة والتصحيح واتخاذ القرار، فإنه في الواقع يحبس النشاط كله داخل حدود شخصه مشيرًا إلى أن من يريد أن يحول شركته إلى مؤسسة قائمة على أسس واضحة، وعلى أدوار موزعة بدقة، لا بد أن يتخلى أولًا عن الكنترول الكامل، لأن الشركة التي لا تثق في النظام ستظل دائمًا مضطرة إلى أن تعتمد على الفرد، بينما المؤسسة الحقيقية هي التي تضع نظامًا يجعل العمل ممكنًا حتى في غياب الشخص المؤسس عن التفاصيل اليومية.


وحذر صلاح من حرص بعض أصحاب الشركات على أن يكونوا موجودين في كل شيء: في كل اجتماع، وفي كل إيميل، وفي كل جروب واتساب، وفي كل مناقشة داخلية، مؤكدًا أن هذا الوجود، الذي قد يراه المؤسس نوعًا من المتابعة والحرص، يؤدي في الواقع إلى نتيجة عكسية، لأنه يجعل الموظفين لا يقولون إلا ما يرضي صاحب الشركة، ولا يطرحون المشكلات أو الخلافات كما هي، فتبدو الصورة من الخارج هادئة ومنضبطة، بينما الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من النقاش الحقيقي يختفي.
وأكد أن الإدارات بطبيعتها تحتاج إلى مساحة من النقاش والاختلاف والشد والجذب، لأن هذا جزء من العمل الحقيقي، لكن حين تتحول كل الاجتماعات إلى اجتماعات مراقبة بعين المؤسس، يصبح من الصعب أن تظهر المشكلات والإشكالات بالصورة التي تمكن من علاجها.
وأكد أحمد صلاح أن الفكرة الأساسية التي دارت حولها الندوة هي أن صاحب الشركة لا بد أن يتحول من «موظف داخل الشركة» إلى «مالك وقائد»، موضحًا أن هناك فرقًا كبيرًا بين رجل أعمال يملك شركات، وبين شخص يملك شركة لكنه يتصرف داخلها باعتباره المدير الفعلي لكل شيء، فالمالك الحقيقي ليس مطلوبًا منه أن يشغل كل وظيفة، أو أن يتحول إلى مدير مبيعات، ومدير تشغيل، ومدير موارد بشرية، ومراجع نهائي لكل قرار، بل المطلوب أن يقود، وأن يختار من يدير، وأن يضع الاتجاه العام، وأن يراقب النتائج، لا أن يحتكر الأدوار كلها.
وأشار إلى أن من علامات غياب هذا التحول أن تجد شركة بعدد كبير نسبيًا من الموظفين، لكنها في الحقيقة تدار بعقل واحد فقط، لأن كل قرار لا بد أن يعود في النهاية إلى صاحب الشركة، وكل تعيين لا يمر إلا إذا وافق عليه بنفسه، وكل خطوة لا تتحرك إلا بعد الرجوع إليه.
وقال إن المشكلة هنا لا تكمن فقط في الضغط الواقع على المالك، وإنما أيضًا في تعطيل نمو الشركة نفسها، لأن هذا النموذج يمنع بناء الصف الثاني، ويجعل كل الإدارة معلقة بإرادة شخص واحد، مهما كانت قدراته أو خبرته أو نواياه.
ولفت إلى أن تدخل صاحب الشركة في الاختيارات المهنية الدقيقة يفتح الباب، في أحيان كثيرة، أمام المعايير الشخصية لا المهنية، فبدلًا من أن يكون التقييم مبنيًا على الكفاءة والقدرة على تحقيق النتائج، يتحول إلى تقييم قائم على الانطباعات، وطريقة الحديث، أو الراحة الشخصية تجاه هذا المرشح أو ذاك.