تشهد الأسواق المالية العالمية في الوقت الراهن لحظة مفصلية تتقاطع فيها السياسة النقدية مع الجغرافيا السياسية بشكل غير مسبوق، وهو ما يفسر حالة التذبذب الحاد في تحركات مؤشر الدولار وعوائد السندات الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة.
وبدورها قالت رانيا جول، كبير محللي الأسواق في XS.com - منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، إن التراجع الأخير لمؤشر الدولار حول مستوى 100 نقطة لا يمكن قراءته باعتباره ضعفاً هيكلياً في العملة الأمريكية، بل هو انعكاس مباشر لإعادة تسعير توقعات الفائدة الأمريكية وتبدل شهية المخاطرة لدى المستثمرين في ظل احتمالات خفض الفائدة مستقبلاً.
وفي الوقت ذاته، أظهرت الأسواق تحولاً واضحاً في تسعير العقود المستقبلية للفيدرالي من سيناريو التشديد إلى توقعات خفض تدريجي للفائدة خلال 2026، وهو ما ترافق مع تراجع في عوائد السندات وضغط على الدولار في المدى القصير.
وأضافت جول، أن القراءة الأعمق لحركة الأسواق تكشف أن هذا التراجع لا يعكس تحولاً نهائياً في اتجاه الدولار، بل يمثل مرحلة تصحيح ضمن دورة مالية أطول، فالعائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات ما يزال فوق مستوى 4.3%، وهو مستوى مرتفع تاريخياً يعكس استمرار الضغوط التضخمية وعدم اليقين بشأن السياسة المالية الأمريكية.
وترى أن بقاء العوائد عند هذه المستويات يعني أن الدولار يحتفظ بميزة نسبية قوية مقارنة بالعملات الرئيسية، حتى في ظل التذبذب الحالي، لأن المستثمرين العالميين ما زالوا ينظرون إلى الأصول الأمريكية باعتبارها ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات.
وأشارت، كبير محللي الأسواق في XS.com - منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، إلى أن العامل الأكثر تأثيراً في المشهد الحالي ليس فقط السياسة النقدية، بل أيضاً تطورات الجغرافيا السياسية، وخاصة في الشرق الأوسط، حيث أصبحت أسعار الطاقة عنصراً محورياً في تحديد اتجاه الدولار وعوائد السندات.
فالتصعيد العسكري والتوترات الجيوسياسية أديا إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة مخاوف التضخم، وهو ما يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف معقد بين دعم النمو الاقتصادي والسيطرة على الأسعار، وهنا تجدر الاشارة إلى أن ارتفاع أسعار النفط والتوترات العالمية يعيدان تشكيل توقعات التضخم ويجعلان قرارات الفيدرالي أكثر حساسية للأحداث السياسية وليس فقط للبيانات الاقتصادية التقليدية. ومن وجهة نظري، فإن هذه المعادلة تعني أن الأسواق ستظل رهينة الأخبار السياسية بقدر اعتمادها على البيانات الاقتصادية خلال الفترة المقبلة.
وشددت جول على أن العلاقة بين الدولار وأسعار الطاقة أصبحت أكثر تماسكاً مما كانت عليه في السنوات السابقة، وهو تطور استراتيجي في هيكل الأسواق المالية العالمية، فقد أظهرت بيانات حديثة أن هناك ارتباطاً متزايداً بين ارتفاع أسعار النفط وقوة الدولار نتيجة تدفقات الملاذ الآمن، وهو ما يغير الطريقة التي يفسر بها المستثمرون المخاطر العالمية.
وأكدت، أن هذا التحول يعني أن أي صدمة في أسواق الطاقة ستنعكس مباشرة على سوق العملات والسندات، ما يزيد من حدة التقلبات في المدى القصير ويجعل التوقعات أكثر تعقيداً.
أما على صعيد السياسة النقدية، فترى جول أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في تقديري يتمثل في استمرار نهج الترقب والحذر من قبل الاحتياطي الفيدرالي خلال الأشهر القادمة، فالمؤشرات الحالية لا تدعم خفضاً سريعاً للفائدة، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع مستويات الدين العام، وهو ما يحد من قدرة البنوك المركزية على التيسير النقدي بشكل كبير.
وتشير التوقعات الاقتصادية إلى أن تخفيضات الفائدة في 2026 ستكون محدودة وتدريجية، وليست دورة تيسير واسعة كما حدث في فترات سابقة، مؤكدة أن الأسواق قد تكون متفائلة أكثر من اللازم بشأن سرعة خفض الفائدة، وهو ما قد يؤدي إلى تصحيحات مفاجئة في الأصول المالية إذا خيبت قرارات الفيدرالي تلك التوقعات.
ومن زاوية استراتيجية أوسع، تعتقد جول أن ما نشهده حالياً ليس مجرد تقلبات دورية في الأسواق، بل بداية مرحلة إعادة تموضع في النظام المالي العالمي، حيث تتداخل السياسة النقدية مع السياسة الجيوسياسية بشكل غير مسبوق، فالدولار لم يعد يتحرك فقط بناءً على فروق أسعار الفائدة، بل أصبح يتأثر أيضاً بتدفقات رأس المال المرتبطة بالمخاطر الأمنية والطاقة والتجارة العالمية.
وتشير بيانات الأسواق إلى أن الدولار ظل مدعوماً بطلب الملاذ الآمن رغم التذبذب، خاصة في ظل المخاوف من تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. ومن وجهة نظري، فإن هذا النمط سيستمر خلال الفترة المقبلة، ما يعني أن الدولار سيظل قوياً نسبياً حتى في بيئة نقدية أقل تشدداً.
وفيما يتعلق بالمستقبل، ترى أن مؤشر الدولار سيبقى في نطاق تذبذب واسع بين مستويات الدعم والمقاومة خلال الأشهر القادمة، مع ميل تدريجي للصعود إذا استمرت عوائد السندات عند مستوياتها الحالية أو ارتفعت نتيجة ضغوط التضخم.
وتوقعت أن تشهد الأسواق موجات متكررة من التقلبات الحادة، خاصة مع اقتراب قرارات الفيدرالي أو تصاعد الأحداث الجيوسياسية، فالتاريخ المالي يثبت أن الأسواق لا تتحرك في خط مستقيم، بل تمر بدورات من التفاؤل والتشاؤم تعكس توازن القوى بين السياسة النقدية والاقتصاد الحقيقي.
وألمحت أن المرحلة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الأسواق على التكيف مع بيئة اقتصادية غير تقليدية، حيث تتداخل فيها أسعار الفائدة المرتفعة والتضخم المستمر والمخاطر الجيوسياسية في آن واحد. ولذلك، فإن المستثمرين وصناع القرار بحاجة إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم الاستثمارية وإدارة المخاطر بمرونة أكبر، لأن المرحلة القادمة لن تكون مرحلة اتجاه واحد في الأسواق، بل مرحلة تقلبات هيكلية تعيد رسم خريطة القوة المالية العالمية.