أصدر مشروع حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة، تقريرًا يقدّم مؤشر الدجاج في مصر، لبيان كيف فشلت زيادات الحد الأدنى للأجور في مواكبة التضخم.
قررت الحكومة المصرية رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه مصري، اعتبارًا من أول يوليو 2026، في محاولة للتخفيف من تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وآثارها الوخيمة عالميًا.
مما يبرز تساؤل حول مقدار الزيادة التي كان ينبغي على الحكومة تخصيصها في ظل تسارع معدلات التضخم؛ والأهم من ذلك: هل تُسهم هذه الزيادة الرمزية في تيسير تكلفة المعيشة لغالبية المواطنين؟ وللإجابة على هذه التساؤلات، أعد المشروع مؤشر "بيج ماك" الخاص بها، باستخدام أسعار الدجاج بدلًا من منتج "ماكدونالدز" لقياس القوة الشرائية للمصريين ومقارنتها بنظيراتها في الدول الأخرى.
ما هو مؤشر "بيج ماك"؟ ولماذا الدجاج تحديدًا؟
استحدثت مجلة "الإيكونوميست" الأسبوعية البريطانية مؤشر "بيج ماك" في عام 1986، كأداة غير رسمية لقياس الأسعار باستخدام سعر شطيرة البرجر الأمريكية كمعيار مرجعي لقياس تعادل القوة الشرائية (أي قدرة النقود على شراء بيج ماك) بين الدول.
وفي السياق المصري، اختارت “حلول للسياسات البديلة” الدجاج بديلًا عن الوجبات السريعة الشائعة؛ لكونه مصدرًا أساسيًا للبروتين يفضله المصريون نظرًا لانخفاض سعره نسبيًا؛ إذ بلغ متوسط سعر الكيلو جرام الواحد من الدجاج في منافذ البيع بالتجزئة نحو 105 جنيهات في مارس 2026، بينما تجاوز سعر اللحوم الحمراء حاجز 400 جنيه للكيلو جرام.
مؤشر الدجاج ودلالاته في السياق المصري
يرصد "مؤشر الدجاج" مستويات الأسعار محليًا من خلال مقارنتها بالحد الأدنى للأجور؛ ومن ثم يحدد مدى القدرة على شراء الدجاج والقوة الشرائية للعاملين الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور.
كما يعقد المؤشر مقارنة بين أسعار الدجاج في دول مختلفة، مستخدمًا الحد الأدنى للأجور كمعيار موحد. وتختلف أسعار الدجاج في مصر بدرجة كبيرة تبعًا لمنافذ البيع، كما تتسم بالتقلبات الموسمية. ولأغراض تحديد هذا المؤشر، اعتمدت "حلول للسياسات البديلة" على أسعار البيع بالتجزئة، باعتبارها البيانات الرسمية المنشورة الوحيدة التي يمكن رصدها.
أصبح بإمكان العاملين في مصر شراء كميات أكبر من الدجاج المُباع بالتجزئة اليوم مقارنة بما كان عليه الحال قبل خمس سنوات. وعلى الرغم من ارتفاع الحد الأدنى للأجور إسميًا بنسبة 192% (من 2400 جنيه في عام 2021 إلى 7000 جنيه في عام 2026)، إلا أن القوة الشرائية لم تنمُ إلا بمعدل أبطأ بكثير بلغ 9% فقط (من 77.64 كيلوجرامًا إلى 84.82 كيلوجرامًا).
لم يسفر رفع الأجور خلال الفترة من 2021 إلى 2026 إلا عن مكاسب طفيفة في القوة الشرائية للعاملين وقدرتهم على شراء الدجاج، حيث التهم ارتفاع الأسعار معظم تلك الزيادة. وفي حال ارتفاع القوة الشرائية بنفس معدل نمو الحد الأدنى للأجور في الفترة ذاتها، لكان من المفترض أن يبلغ الحد الأدنى للأجور الآن نحو 19,000 جنيه.
مقارنة السياق المصري بالمؤشرات العالمية
تُعد أسعار الدجاج في منافذ البيع بالتجزئة في مصر متوسطة مقارنة بالدول الأخرى، وينطبق ذلك أيضًا على متوسط سعر السوق الذي يرتفع بشكل ملحوظ عن سعر التجزئة. فقد بلغ متوسط سعر الدجاج في السوق في مصر حوالي 4.13 دولار أمريكي في يناير 2026، وهو أقل بكثير من ألمانيا التي سجلت أعلى سعر (15.53 دولارًا)، وأعلى من البرازيل التي سجلت أدنى سعر (1.88 دولار). ومع ذلك، يستطيع العاملون بالحد الأدنى للأجور في مصر شراء كميات أقل من الدجاج مقارنة بنظرائهم في الدول الأخرى.
وبالنظر إلى معدلات الأجور في الساعة، يتطلب شراء كيلوجرام واحد من الدجاج في مصر عددًا أكبر من ساعات العمل مقارنة بألمانيا أو تركيا أو البرازيل. وإذ يبلغ الحد الأدنى للأجر في الساعة نحو 38 جنيهًا، فإن العامل الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجور يحتاج إلى العمل لأكثر من ساعتين لشراء كيلوجرام واحد من الدجاج بسعر التجزئة (الذي يُقّدر بحوالي 85 جنيهًا في يناير 2026)، وتتضاعف هذه المدة عند شرائه بسعر السوق.
ما هي القيمة العادلة للأجور؟
ينبغي على صانعي السياسات تحديد الأجور استنادًا إلى تكاليف المعيشة الفعلية؛ حيث يبرز مفهوم "دخل المعيشة اللائق" كمنهج أكثر شمولًا وكبديل للحد الأدنى للأجور. ولتحديد هذا المستوى، يتعين على الحكومة احتساب نفقات الغذاء والإسكان والتعليم والرعاية الصحية في منطقة جغرافية معينة، بما يضمن تمتع الأسرة بمستوى معيشي لائق. كما يجب مراعاة هامش إضافي بسيط للحالات الطارئة. وتُقدَّر هذه التكاليف بناءًا على الأسعار المحلية والمعايير الدولية. فعلى سبيل المثال، عند احتساب تكلفة الغذاء، ينبغي إدراج معايير منظمة الصحة العالمية الخاصة بالنظام الغذائي الصحي، وتكلفة الغذاء محلياً بناءًا على الدراسات الاستقصائية للسوق والبيانات الثانوية.
وبناءًا على تلك الأرقام، ينبغي تقسيم دخل المعيشة على عدد العاملين في كل أسرة، مع إضافة الضرائب والاستقطاعات، لاستبدال الحد الأدنى للأجور بما يُسمى "أجر المعيشة" الأكثر دقة. وفي هذا السياق، فقد بلغت القيمة المرجعية لأجر المعيشة (وفقاً لمنهجية أنكر) في عام 2025 حوالي 14,624 جنيهًا شهريًا للمناطق الحضرية و10,884 جنيهًا للمناطق الريفية في مصر.